dimanche 7 juin 2026

تونس: ماذا لو ألغينا الباكالوريا؟


بمناسبة قرب انطلاق ماراتون البكالوريا  اختارنا أن نقترح على متابعينا مقال نشرها الصحفي التونسي إبراهيم الوسلاتي على صفحته الرسمية  منذ سنة تقريبا  بعنوان مستفز بعض الشيء حين تساءل عن احتمال إلغاء هذا الامتحان.


يتناول المقال قضية الباكالوريا التونسية في صيغتها الحالية التي صارت "مصدر على مر السنين محنة حقيقية للمرشحين ولأسرهم". ، متسائلا إن لم يحن الوقت لمراجعة جوهرية لهذا الامتحان الوطني. ومن خلال مقارنة مع أنظمة تقييم نهائية أكثر مرونة ونجاعة في عدة بلدان متقدمة، يدعو الكاتب إلى إعادة التفكير في دور الباكالوريا ووظيفتها التربوية والاجتماعية. ويقترح أن تُسند هذه المهمة إلى المجلس الأعلى للتربية والتعليم لبلورة تصور إصلاحي يواكب تحولات العصر ويعزز مبدأ تكافؤ الفرص وجودة التكوين.

نشكر السيد إبراهيم على ثقته في المدونة و سمح لها بإعادة نشر هذا المقال المهم.

 

أسدل الستار على امتحان الباكالوريا لسنة 2025 بالإعلان عن النتائج النهائية ،وقد تجاوزت النسبة العامة للنجاح عتبة 50% (52%). وبين فرح يعم آلاف البيوت وحزن يخيم على أخرى، أصبحت الباكالوريا على مر السنين محنة حقيقية للمرشحين ولأسرهم.

فقد كان هذا الامتحان، الذي مثّل يومًا جواز سفر حقيقي نحو المستقبل وفتح آفاقًا واسعة لحامليه، أصبح مصدر كابوس حقيقي للعديد من التلاميذ، في ظل ضغط اجتماعي خانق، وبرامج دراسية مكتظة، ونظام تقييم محل نقد لعدم قابليته للتكيّف مع تطور الأنظمة التربوية العالمية الأكثر نجاعة.

نظام صارم ورثناه من الماضي


منذ أن تمّ إرساؤه في السنوات الأولى من الاستقلال، تحوّل امتحان الباكالوريا - الذي كان رمزا للاستحقاق والنجاح-  إلى مسار شاق بالنسبة إلى الكثير ، بين دروس خصوصية مرهقة، ومراجعات مستنزفة، وضغط عائلي متواصل، يعيش التلميذ هذه المرحلة كعبء لا كاحتفاء بالمعرفة.


وقد عرف هذا الامتحان بعض التعديلات، مثل إلغاء دورة سبتمبر وتعويضها بدورة تدارك تُجرى بعد أيام قليلة من إعلان عن نتائج الدورة الرئيسية، ويُعاد فيها اجتياز بعض المواد الأساسية فقط ، و مثل احتساب نسبة من نتيجة المراقبة المستمرة (25%) ضمن المعدل النهائي للباكالوريا. وقد أُدخل هذا الإصلاح  منذ السنة الدراسية 2001-2002 بمبادرة من الوزير منصر الرويسي، وكان هدفه تثمين المجهود المتواصل للتلميذ، وتخفيف ضغط أيام الامتحان، وتشجيع المواظبة والانضباط طيلة السنة. غير أنه أُلغي سنة 2016 على يد الوزير ناجي جلول بدعوى الحرص على مبدأ المساواة بين مختلف المعاهد ، بعد اتهام بعض المؤسسات بتضخيم أعداد المراقبة المستمرة لتحسين نتائجها.

لكن هذا النظام الصارم، الموروث من الماضي، يحتاج إلى مراجعة كي يتلاءم مع تطورات المجتمع وسوق الشغل وانتظارات التلاميذ أنفسهم. فهو يستند إلى تقييم نهائي وحيد، نظري ومشحون بالتوتر، يُجرى خلال بضعة أيام يُحسم فيها مصير التلميذ بناء على قدرته على الحفظ والاسترجاع، عوضًا عن إبراز كفاياته التحليلية، أو قدرته الإبداعية، أو مدى التزامه على المدى الطويل.


يشهد العالم من حولنا تحوّلات عميقة بفضل أنظمة تعليمية مرنة و في تطور مستمر، تثمّن الكفايات الأفقية، والتفكير النقدي، والإبداع، والقدرة على التكيّف، بقدر ما تهتم بالتعلمات الأكاديمية.

الباكالوريا  أو ما يقابلها في الدول الأكثر تقدّمًا


تعتمد أغلب الدول المتقدّمة اليوم مقاربات تقييم مرنة تقوم على المراقبة المستمرة لمرافقة التلاميذ بصورة أفضل. من ذلك نظام التعليم في هولندا، الذي يضم ثلاث مسارات دراسية: الأول يدوم أربع سنوات ويرتكز على التكوين المهني، والثاني مدته خمس سنوات ويتوج بتعليم عام قصير، والثالث يدوم ست سنوات ويُعدّ للدراسة الجامعية. أما الامتحان النهائي هناك، ويُسمّى "eindexamen"، فهو يقوم على تقييم يجمع بين المراقبة المستمرة تنظمها المؤسسات التربوية وتمثل 50% من المعدل النهائي، واختبارات وطنية تمثل النصف الآخر وفي حال عدم النجاح، تُتاح للتلميذ دورة تدارك في مادة أو اثنتين.

 

أما في ألمانيا، فإن امتحان «Abitur »  "أبيتور" يجمع بين نتائج السنتين الأخيرتين من المرحلة الثانوية (وتُمثل 66% من المعدل النهائي) وامتحانات كتابية في ثلاث مواد رئيسية ( من بينها اللغة الألمانية و لغة اجنبية و مادة علمية أو اجتماعية ) والتي تمثل الثلث الباقي (33%)، بالإضافة إلى امتحان شفوي إلزامي في مادة رابعة.

 

وفي فنلندا، البلد المعروف بأداء نظامه التربوي وانخفاض نسبة الانقطاع المدرسي، يُعدّ امتحان "ylioppilastutkinto" شهادة ضرورية للالتحاق بالجامعة. و يتسم هدا الامتحان بالمرونة إذ يسمح للتلميذ باختيار المواد التي يريد أن يبختبر فيها و بإمكان  التلميذ اجتياز الامتحانات خلال عدة دورات ( دورتي الربيع والخريف) وعلى امتداد عام إلى ثلاثة أعوام، ويشمل الامتحان اختبارات كتابية وطنية.

وينطبق الأمر كذلك على دول اسكندنافية أخرى مثل السويد والنرويج والدانمارك، حيث يُجري التلاميذ بعض الامتحانات الوطنية، لكن المعدل العام يُحتسب على أساس نتائج السنوات الثلاث الثانوية.

وماذا عن المجلس الأعلى للتربية؟

 

فهل يجب، إذن، إلغاء الباكالوريا بصيغتها الحالية والاقتداء بالنماذج التي أثبتت نجاعتها في بلدان متقدمة؟


يبدو عنوان المقال مستفزًا، وإنما هو دعوة إلى إصلاح جوهري لا يمس من قيمتها.  إصلاح يجعل الباكالوريا أكثر مرونة و يحد من التوتر الذي يرافقها اليوم ، وأقرب إلى واقع القرن الحادي والعشرين وتحولاته العميقة.


ويجدر التذكير بأن باكالوريا تونس، التي كانت معترفًا بها في العديد من الدول المتقدمة إلى حدود السبعينيات، فقدت جزءًا كبيرًا من قيمتها وسمعتها.

ليس لديّ مقترحات جاهزة، لكنني أدعو المجلس الأعلى للتربية والتعليم إلى فتح هذا الملف على أسس علمية بمشاركة كفاءات تونسية، من أجل صياغة إصلاح يثمّن المجهود المستمر ويفتح المجال لمسارات تعليمية متنوعة، كي لا تبقى الباكالوريا هي الكتلة الصلبة التي تسحق المواهب بدل أن تكشف عنها.


إبراهيم الوسلاتي

تونس - جويلية 2025

 للاطلاع على النسخة الفرنسية – اضغط هنا

 

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire