dimanche 28 juin 2026

جدل التعليم النموذجي في تونس: بين "الخطاب النخبوي" وشهادات الأولياء والتلاميذ

مصطفى الشيخ الزاولي

هذا الأسبوع، تُقدّم المدونة التربوية مقالا حول  التعليم النموذجي، بقلم صديقنا الوفي الدكتور مصطفى الشيخ الزاولي. نُشر هذا المقال في جريدة المغرب في شهر جويلية 2025. ونظراً لأهميته ، أردنا إعادة نشره  
.

للتذكير،بُعث التعليم النموذجي منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي، بفتح معهدين نموذجيين بمدينة تونس وبأريانة. استقبلت هاتان المؤسستان تلاميذ السنة الأولى من التعليم الثانوي (الموافق حالياً للسنة السابعة)، وكان الاختيار يتم عبر مناظرة الدخول للتعليم الثانوي.

 في العام الدراسي 2023/2024، أصبحت البلاد تعُدّ 24 مدرسة إعدادية نموذجية تضم 13,426 تلميذا، أي ما يمثل 2.44% من إجمالي تلامذة المرحلة الثانية من التعليم الأساسي، و26 معهدا  نموذجيا  يأويها 15,924 تلميذا، أي ما يعادل 3.1% من إجمالي تلامذة المرحلة الثانوية.

بعد أكثر من أربعة عقود على إنشاء المسلك النموذجي في تونس، يتجدد الجدل حوله. ويستعرض المقال رؤيتين متناقضتين: واحدة نُخبوية تعتبر التعليم النموذجي خطًا أحمر، وأخرى احتجاجية تدعو إلى إعادة التفكير في التعليم النموذجي بعيدًا عن منطق الإقصاء.

اعتمد الدكتور الزوالي على شهادات لقدماء المعاهد النموذجية لكشف جانب آخر من التميز: كالضغط المستمر، والعزلة، والتسابق المحموم على العدد و التوترات النفسية والاجتماعية .

واتختتم تحليله بالسؤالين التاليين: هل حقق التعليم النموذجي أهدافه المعلنة في تعزيز التميز؟ وما هي تداعياته التربوية والاجتماعية؟ ويطرح مقترحات ملموسة لإعادة التفكير في التميز من منظور أكثر عدلًا وإنسانية وشمولًا، يركز على العدالة التعليمية، والرفاهية، والدور المحوري للمعلم.

 

أُنشئت المعاهد النموذجية في تونس منتصف الثمانينيات، كجزء من سياسة تربوية هدفت إلى الارتقاء بالمتميزين دراسيًا وتهيئة نخبة أكاديمية يُعوَّل عليها في قيادة التنمية الوطنية، ومواكبة التحولات المتسارعة في مجالات العلوم والتكنولوجيا، بما يعزّز موقع المدرسة العمومية في زمن التنافس المعرفي. لكن بعد أكثر من أربعة عقود على إحداثها، لم تعد هذه التجربة محل إجماع، بل أصبحت محورًا لجدل متجدد، يتفجّر مع كل صدور لنتائج الامتحانات الوطنية. جدل يكشف انقسامًا عميقًا لا يقتصر على التقييم التربوي، بل يمتد إلى أسئلة أكبر: من يحدّد معنى التميز؟ ولصالح من يُعاد إنتاج النخبة؟ وهل ما يزال الفرز المبكر داخل المدرسة العمومية مشروعًا عادلًا؟

في قلب هذا الجدل، تتواجه رؤيتان: خطاب نخبوي مغلق يدافع بشراسة عن "قداسة" التعليم النموذجي، وأصوات احتجاجية صاعدة، من الأولياء والتلاميذ، تتحدّى الصمت، مطالبة بإعادة الاعتبار لمبدأ تكافؤ الفرص، وللبعد الإنساني في مفهوم النجاح والتميّز.

يسعى هذا المقال إلى تفكيك الخطاب النخبوي حول التعليم النموذجي، وإعلاء أصوات احتجاج الأولياء والتلاميذ، وكشف نقدهم الجوهري الذي غُيب عن الفضاء العام ودوائر القرار. كما يبرز شهادات حية من الواقع اليومي تعيد للتميّز بعده الإنساني، ويقترح في الختام رؤية بديلة لتجاوز الجدل العقيم، مع التأكيد على دور المدرّس كحجر الزاوية في كل تجديد تربوي حقيقي.

 

التعليم النموذجي: بين خطاب النخبة المغلق واحتجاجات تتحدّى الصمت

تتكرّر كلّ سنة، وخاصّة عند

صدور نتائج الباكالوريا، موجات من الدفاع الشرس عن تجربة التعليم النموذجي، حيث ترتفع أصوات تعتبرها "مكسبًا وطنيًا" و"خطًا أحمر" لا يجوز المساس به. ويُنظر إلى أيّ نقد يطال هذا النموذج على أنّه "تهديد للنخبة" و"تكريس للرداءة"، بل يصل الأمر حدّ اتهام منتقديه "بالتآمر على المدرسة العمومية". وفي كلّ مرة، تعود نفس المواقف إلى الواجهة، خاصّة على منصّات التواصل الاجتماعي، حيث يردّ أنصار التعليم النموذجي على الانتقادات بعنف رمزي يتّسم بنبرة استعلائية، ويزخر باتهامات مبطّنة بالجهل أو بمعاداة النخبة، وكأنّ مجرد مساءلة هذه التجربة يُعدّ "جريمة" وخلطًا للأوراق أو "خلطًا للحابل بالنابل"، كما عبّر أحدهم مستحضرًا هذا المثل الشعبي التونسي.

وقد بلغ هذا الجدل ذروته خلال دورة 2018 لمناظرتي السيزيام والنوفيام، عقب القرار المثير للجدل الذي اتخذه وزير التربية آنذاك، والقاضي بعدم النزول تحت معدل 15 من 20 للالتحاق بالإعداديات والمعاهد النموذجية، رغم أن عدد المقبولين لم يتجاوز نصف طاقة الاستيعاب المخصصة لهذه المؤسسات. إذ لم يُوجَّه سوى 1662 تلميذًا إلى الإعداديات النموذجية، من أصل 3725 مقعدًا، أي بنسبة تغطية لم تتجاوز 41.61%، وهي أدنى نسبة سجّلتها المناظرة منذ نشأتها. وقد انقسمت الآراء حول هذا القرار بين من اعتبره خطوة ضرورية لإعادة الاعتبار لمستوى التميز، ومن رآه إجراءً إقصائيًا وغير عادل.

وفي خضمّ هذا الجدل، نُشرت خلال شهر جويلية 2018، مقالات وتعليقات عديدة، في غالبيتها باللغة الفرنسية، على بعض الصحف والمواقع الإلكترونية، تساند بقوّة قرار وزير التربية، وتحذّر ممّا تعتبره "تساهلاً يهدّد جودة التعليم النموذجي". وقد وردت في هذه المواد عناوين ذات نبرة هجومية واستعلائية، من قبيل"QUI CHERCHE À CONSACRER LA MÉDIOCRITÉ ?" ("من يسعى إلى تكريس الرداءة؟")، و"Ne touchez pas à nos lycées pilotes" ("لا تقتربوا من معاهدنا النموذجية!")، وغيرها من المواقف الرافضة لأيّ مراجعة أو إجراء استثنائي بخصوص شروط الالتحاق بهذه المؤسسات، على غرار ما اقترحته بعض الجمعيات التربوية[1].
وفي مقابل هذا الخطاب المدافع عن القرار، برزت مواقف قوية من فئة واسعة من الأولياء المتضررين، الذين عبّروا عن شعور عميق بالحيف والإقصاء، ورفضهم لما اعتبروه قرارًا غير عادل يمسّ بمبدأ تكافؤ الفرص. وقد تجسّد هذا الرفض في تكوين مجموعة"أولياء غاضبون"، التي تحولت إلى فضاء احتجاج رقمي وميداني، رافقته حملات تعبئة واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، ونشر شهادات مؤلمة للأولياء وأبنائهم الذين حُرموا من الالتحاق بالإعداديات والمعاهد النموذجية رغم نتائجهم المشرفة.[2]

وقد عبّر أعضاء المجموعة، في بياناتهم وتدخلاتهم الإعلامية، خلال كامل صيف 2018 عن رفضهم لما وصفوه بمنطق النخبة المغلقة، الذي يربط التميّز بمعايير انتقائية قاسية،  كما استنكروا العنف الرمزي الذي قُوبلت به مطالبهم، معتبرين أنّ الدفاع عن التعليم النموذجي لا يجب أن يتمّ على حساب حقوق أطفالهم، ولا أن يتحوّل إلى ذريعة لإقصاء شريحة واسعة من المجتهدين.

وقد تواصل هذا الحضور الرقمي خلال السنوات التالية، وشهد تفاعلًا متجددًا كلما صدرت نتائج الامتحانات الوطنية، لا سيما في جويلية 2021 مع نتائج مناظرة النوفيام، حيث عادت مجموعة "أولياء غاضبون" لتوثّق "المظلومية" وتعبّر عن الفخر بتفوّق الأبناء رغم الإقصاء.عبارات من قبيل: "أخيرًا انتصرنا"، "أولادنا أثبتوا جدارتهم"، "ابنتي التي نُعتت بالرداءة تحصّلت على 18.59"، "نحن مظلومي 2018 كسبنا الرهان"، عكست مزيجًا مؤلمًا من الفخر والمرارة، بين جرح لم يندمل، وإصرار على استرجاع الكرامة وردّ الاعتبار.

يوم 21جوان 2025، مع صدور نتائج الباكالوريا لدفعة 2018، استعاد الأولياء والتلاميذ الذاكرة الجماعية لـ"ملحمة تربوية" وصفوها بـ"تتويج مسيرة مقاومة الظلم". نشر أحد أولياء التلاميذ الناشطين تعليقًا قال فيه:"اليوم يسدل الستار على ملحمة عظيمة، ملحمة الأبطال، ملحمة المتميزين، ملحمة المتفوقين، ملحمة النموذجيين اللذين تعرضوا لمظلمة ... فقد تفوّق أبطال سيزيام 2018 وافتكّوا أماكنهم في المعاهد النموذجية في مناظرة 2021، واليوم قد تميّزوا في نيل شهادة الباكالوريا. أما أبطال نوفيام 2018 فقد تميزوا أيضا في باكالوريا 2022 وهم اليوم متفوقون في دراساتهم الجامعية... صحيح أن أبناءنا لم يواصلوا دراستهم بالمؤسسات النموذجية بعد صائفة 2018، ولكنهم تعلموا أهم درس في هذه الحياة، درس التشبث بالحق ومحاربة الظلم و الباطل، وحتى إن لم ننجح، فكفانا شرف المحاولة وعدم الاستسلام ونيل الأجر الواحد... صدقوني إن قلت لكم أنه في كل مرة أمر من القصبة أسمع صدى أصوات الأولياء وأبنائنا التلاميذ..."وتوالت التدوينات والتعليقات التي عبّرت عن فخر الأولياء بتفوّق أبنائهم رغم الإقصاء، مؤكدة صمودهم ونجاحهم دون امتيازات، ومتضمّنة في الآن ذاته تهاني بالتفوّق وعرضًا لمعدلات متميزة.

 

قراءة في خلفيات الخطاب النخبوي وديناميات تأثيره

رغم قلة المدافعين عن النموذج النخبوي، إلا أنهم يشكلون نخبة ذات ثقل ثقافي وسياسي كبير، وأصواتهم تحظى بحضور واسع في الإعلام وتأثير ملموس على صانعي القرار. وربما يُعزى ذلك إلى:

1.   اعتماد اللغة الفرنسية، التي تحمل رمزية اجتماعية راسخة في المخيال النخبوي والإداري التونسي.

2.   قدرة التعبير العالية التي تجعل خطابهم متناسقًا وجذابًا، متناغمًا مع الذوق الرسمي السائد في الفضاء العمومي.

3.   تقاطع مصالحهم مع دوائر القرار التربوي، وتأثرهم الجزئي بالنموذج الفرنسي المركزي في تصور النخبة.

 

كل ذلك يُعزز ما يمكن تسميته بـ"ثقافة الاستعلاء التربوي" - أي تصور يُدار فيه التعليم من الأعلى، وفق رؤية نخبويّة لما يجب أن يكون عليه المجتمع، لا وفق حاجاته وتحولاته الفعلية. وقد نبّه تقرير البنك الدولي (2001) إلى هذه الإشكالية، معتبرًا "هيمنة ثقافة النخبة على إدارة الشأن التربوي لدى الإداريين والمدرسين والأولياء"، من بين أبرز أسباب فشل إصلاح المنظومة التربوية. وهي ملاحظة تردّد صداها في كتاب الخبيرة الأوروبية في التجديد التربوي فرانسواز كروس، الذي تناول بعض جوانب إصلاح 2002 في تونس.[3]

وفي ختام تحليلنا لملامح الخطاب النخبوي،نتساءل:أليس من المفارقات أن تتحوّل النخبة التي ترفع شعارات "الجودة" و"التميز" إلى حارس للوضع القائم، تكرّس ما هو سائد بدل الدفع نحو التغيير؟ ألا يُفترض أن يكون الدور الطبيعي لكل نخبة -,خاصة في مجال حيوي كالتربية - هو المساهمة في تجديد الرؤية، لا إعادة إنتاج أنماط التفوق القديمة؟

 

حين يعيد التلاميذ المعنى للتميّز: شهادات حية تُعيد الاعتبار للبعد الإنساني

على مدى عقود، سيطر الخطاب النخبوي المتصلّب على المشهد التربوي في تونس، لكن خلال السنوات الأخيرة بدأت تظهر أصوات صادقة تنبع من قلب التجربة نفسها. هذه الأصوات هي لتلاميذ وتلميذات قضوا سنواتهم في المعاهد النموذجية، حيث عاشوا ضغوطات كثيرة عن قرب، فتحدثوا بصراحة عن تجربتهم بكل ما حملته من تحديات وصراعات، نستحضر فيما يلي بعض النماذج التي تعكس هذه التجارب الحية:

1. في مقال نُشر يوم 23 جوان الفارط تحت عنوان «Vous avez écrasé mes rêves…»، قدّمت التلميذة تماضر علوش، من المعهد النموذجي بصفاقس، شهادة صادمة عن تجربتها القاسية داخل مؤسسة يُفترض أنها تُكرّم النخبة. ورغم تفوّقها اللافت، إذ أحرزت المرتبة الأولى وطنيًا في مناظرة السيزيام، ثم الأولى جهوياً في مناظرة النوفيام،لم تسلم داخل المعهد من عبارات جارحة تُجسّد عنفًا رمزيًا مقنّعًا: «ما تطمحيش برشة، يا بنتي»، «إنتي اخترتي شعبة الرياضيات ولا غصبوك؟»، و«مانفهمش كيفاش جيتي الأولى، ما نرا فيك شي استثنائي». هكذا تتحوّل المؤسسة التي يُفترض أن ترعى التميّز إلى فضاء للتهكّم والسخرية، تُمارَس أحيانًا -وبكل مفارقة - باسم التربية والتوجيه.[4]

2. في السياق ذاته، صدر يوم 24 جوان 2025 مقال مساند لتُماضر علوش بعنوان "École de la cruauté : l’élève est brisé par ses profs, achevé par l’État" على نفس موقع "بيزنس نيوز"، وجاء بمثابة مرافعة حادة ضد قسوة المنظومة التربوية. اعتبر المقال أن المدرسة لم تعد فضاءً لبناء الإنسان، بل أصبحت أداة "إذلال" نفسي، يُسهم فيها بعض المدرسين من جهة، وسياسات الدولة من جهة أخرى، وهو ما يعمّق الشرخ بين المتعلم ومؤسسته ويحوّل التمدرس إلى عبء يومي.

3. أما التلميذة سناء السلايمي، فقد نشرت شهادة في الموقع الالكتروني للمفكرة القانونية (9 جانفي 2019) عندما كانت بالسنة الثالثة ثانوي في المعهد النموذجي بحمام الأنف، تساءلت فيها: "كيف نأمل في تكوين نخبة نموذجية من دون توفير المحيط النموذجي الذي سيحتضنها؟"
ودعت إلى أن يكون التعليم النموذجي تربيةً على الثقافة والانتماء، لا فقط وسيلة لتكديس المعارف، مطالبة بتفعيل المسرح، والموسيقى، والأنشطة العاطفية التي تدعم الصحة النفسية للتلاميذ وتعزز تفاعلهم داخل المدرسة وخارجها[5]

4. تقدّم فريال التراس، وهي طالبة وأحد خريجي المعهد النموذجي بأريانة، دراسة نقدية بعنوان "الوجه الخفي للمعاهد النموذجية"نُشرت على موقع نواة بتاريخ 30 أوت 2021. استندت الدراسة إلى شهادات 800 تلميذ من مختلف الأجيال، وركّزت على أصولهم الاجتماعية ومواقفهم من التجربة. أظهرت النتائج أن أغلب الملتحقين بهذه المعاهد ينحدرون من عائلات ميسورة، ما يكشف ارتباط التميّز الدراسي بالوضع الاقتصادي والدروس الخصوصية، لا فقط بالجدارة الفردية.وانطلاقًا من هذا التشخيص الاجتماعي، تعمّقت الدراسة في البعد الذاتي والمعيش لتجربة التلاميذ، كاشفةً عن واقع مدرسي ضاغط ومناخ نفسي متأزم. فقد رسمت صورة صادقة وقاسية في آن، حيث عبّر العديد من المستجوبين عن سلبية تجربتهم الشخصية من نواحٍ مختلفة. أشاروا إلى مناخ علائقي غير ملائم لنمو شخصية متوازنة، سواء في علاقاتهم ببعضهم البعض، أو في صلتهم بزملائهم من المعاهد "العادية"، أو حتى في علاقتهم بالمدرسين والإداريين والمجتمع الأوسع. تحدثوا عن "التوتر النفسي الدائم"، "العمل تحت الضغط"، "المنافسة المرضية"، "الضيق العاطفي"، "الإحباط"،ومعاملة التلميذ كـ"روبوت". كلماتهم تنقل بوضوح إحساسًا عميقًا بالاختناق داخل ما وصفه أحدهم بـ"مصنع النخبة الذي يضر بمن التحق به كما يضر بمن لم يلتحق به"

وتتميّز الدراسة، التي يقارب حجمها 8000 كلمة، بثراء شهاداتها الحيّة وتنوّعها، ما يمنحها بعدًا إنسانيًا صادقًا، ويجعل منها مساهمة بالغة الأهمية في كشف المسكوت عنه داخل ما يُسمّى بمنظومة "الامتياز" في تونس.

ولعل أفضل ما نختم به هذا العرض هو الجمل الأخيرة الواردة في خاتمة الدراسة، لما تحمله من وضوح وجرأة في الموقف، يليها بعض من شهادات صاحبة الدراسة نفسها، التي تتسم بصدق شخصي يعكس جوهر ما سعت إلى تبليغه عبر هذا العمل النقدي:

 

" .. وتهدف هذه الدراسة أساسًا إلى إبراز تبعات هذه التجربة وآثارها الاجتماعية، التي تبيّن أنها تميل إلى أن تكون أكثر ضررًا من فائدتها. سواء تعلّق الأمر بإصلاح جزئي أو بتحوّل جذري للمنظومة، فإن أمرًا واحدًا يبدو مؤكدًا: التغيير بات ضرورة ملحّة".

"وأنا أكتب هذا النص، راودتني كثيرًا فكرة أنني ربما أكون خائنة، لأنني أُعرِّي بهذه الطريقة ثغرات منظومة أنا جزء منها. لكنني سرعان ما أدركت أن مفهوم 'المطبخ الداخلي"والتواطؤ الصامت الذي يُفرض بدافع الولاء لمنظومة مضرةّ،هو بالضبط ما يسمح للأمور بأن تتدهور. إسكات التلاميذ خوفًا من المساس بسمعة معهد معيّن لا يزيدهم إلا غرقًا، ويزيد من تفاقم المشاكل القائمة. فالنقد في جوهره فعل بنّاء".[6]

بوادر نخبة جديدة: نقد من الداخل

تكشف الشهادات الثلاث الأولى، إلى جانب مضمون دراسة فريال التراس بما احتوته من شهادات حية ومتعددة، عن ملامح تحوّل لافت في خطاب بعض الفاعلين المرتبطين سابقًا بالمعاهد النموذجية أو بمسارات النخبة التعليمية في تونس. ويمكن رصد هذا التحول من خلال ثلاث سمات بارزة:

1.   القدرة على اتخاذ مسافة نقدية من الانتماء السابق
لم تعد العلاقة بالمعهد النموذجي  تُقدَّم بوصفها مصدر فخر واعتزاز غير مشروط، بل باتت تُخضع للمساءلة من داخل التجربة ذاتها. هذه القدرة على التفكير من خارج الانتماء، رغم ما تحمله من شحنة وجدانية وارتباطات سابقة، تعبّر عن نوع من النضج العاطفي والتحرر الذهني. فالشهادات لم تعد تكتفي بوصف الامتياز، بل تسائل كلفته الرمزية والنفسية والاجتماعية، سواء على الفرد أو على بقية مكونات المنظومة.

2.   رفض خطاب التفوق المغلق وإدانة التمييز المقنن
تتقاطع أغلب هذه الشهادات في رفض واضح للغة التفوق المصطنع التي ما انفكّت ترافق تجربة التعليم النموذجي. وتظهر هذه المواقف موقفًا نقديًا من خطاب "النخبة المتعالية"، الذي يرسّخ التراتب بين المتعلمين، ويشرّع للتمييز بناء على النجاح المدرسي المجرّد من سياقه الاجتماعي والنفسي. وهذا الرفض لا يأتي من موقع خارجي، بل من أبناء هذه التجربة أنفسهم، وهو ما يمنحه مصداقية أكبر وقوة حجاجية أعمق.

3.   تبنّي وعي تربوي بديل قائم على العدالة والانصات
ما يجمع هذه المواقف أيضًا هو تبني رؤية تربوية أكثر عدالة وشمولية، تدعو إلى مراجعة عميقة لبنية النظام التربوي، لا من زاوية الإصلاحات الفوقية والتقنية، بل من مدخل العلاقات داخل الفضاء المدرسي، ومن منطلق الإصغاء لتجارب التلاميذ، ومعاناتهم، وأصواتهم المهمّشة. إنها دعوة إلى إعادة صياغة العلاقة بين المتعلم والمدرس، وبين المدرسة ومحيطها الاجتماعي، بما يعيد للمنظومة التربوية دورها التربوي والإنساني، لا فقط التحصيلي.

 

هذه الملامح مجتمعة تسمح بالحديث عن بوادر نخبة جديدة بصدد التشكل داخل المجال التربوي: نخبة لا تعيد إنتاج امتيازها الرمزي، بل تسعى إلى تقويضه، ولا تستمد مشروعيتها من خطاب الهيمنة، بل من قدرتها على التواضع المعرفي، والانصات للواقع، والانخراط في نقد الذات. قد لا تكون هذه النخبة منظمة بعد، ولا تحمل برنامجًا واضحًا، لكنها تحمل من حيث الجوهر ملامح تحوّل نوعي في طبيعة النقاش التربوي، وتتّجه نحو بلورة رؤية إصلاحية أكثر تجذرا وإنصافًا، قادرة على تجاوز الانقسام التقليدي بين "الناجحين" و"الفاشلين"، وبين "المدارس للنخبة" و"المدارس للبقية".

وفي هذا السياق، يمكن القول إن هذا الخطاب الناشئ – الذي نقرأه من خلال هذه الشهادات – لا يعارض النخبوية في ذاتها، بل يعارض احتكارها، وتعاليها، وانفصالها عن المعيش الاجتماعي، ويقترح بدلًا عنها نخبوية جديدة متصالحة مع واقعها، قادرة على مساءلة ذاتها، وعلى إعادة تعريف النجاح بما يخدم مبدأ العدالة التربوية والتضامن الاجتماعي.

 

"تأملات تلميذ متمرد": قراءة نقدية ورؤية إستراتيجية للمستقبل

قدّم مهدي الشريف[7]، في كتابه[8]Réflexions d’un élève insoumis، قراءة نقدية للمنظومة لتربوية التونسية، كشف فيها عن الفجوة بين صورة التعليم النموذجي وخلفيته الواقعية. فرغم ما يُروّج له من تفوّق وتميّز، فإن الواقع، بحسب الشريف، يتّسم بـاكتظاظ الأقسام، جمود الأساليب البيداغوجية، والاعتماد المفرط على الامتحانات، مما يجعل هذه المعاهد مجرد نسخة محسّنة شكليًا من التعليم العمومي، دون اختلاف جوهري في الجوهر أو المخرجات.

ويُضيف الشريف في نقده، أن نظام النخبة هذا لا يكتفي بإقصاء فئات واسعة من التلاميذ، بل يحرم المؤسسات "العادية" من وجود عناصر قادرة على تحفيز بقية زملائهم، حيث يقول: «تُحرم المؤسسات العادية من التلاميذ الذين يمكن أن يلعبوا دور المحركات الدافعة بالأقسام نحو الأعلى». ويصف الحجج المستخدمة للدفاع عن التمييز النخبوي، على غرار أن هذا النظام «يحمي» التلاميذ المتفوقين من «تشويش التلاميذ المشاغبين الذين لا يعملون ويبطئون تقدم زملائهم»، بأنها في جوهرها «اعتراف حقيقي بفشل المنظومة ككل»، خاصة أن تلاميذ المؤسسات النموذجية لا يمثلون سوى "2.3% من جملة التلاميذ".

نحو تجاوز الصراع العقيم: مقترحات عملية

استنادًا إلى هذه القراءة النقدية، التي قدمها مهدي الشريف،وبالاستئناس بما تكشفه الشهادات الميدانية وتجارب الملاحظين، تبرز الحاجة إلى تصور تحوّلي شامل للتعليم النموذجي، لا يكتفي بالتعديل من الداخل، بل يعيد تخيّل الوظيفة التربوية والثقافية لهذه المعاهد. وفي هذا الإطار، يمكن اقتراح الخطوات التالية:

·        إعادة هيكلة الفضاءات المدرسية، بما يُوفّر بيئة مريحة وآمنة ومحفّزة على التعلّم، تُراعي الجوانب النفسية والمعنوية للتلاميذ.

·        تفعيل الحياة الثقافية داخل المعاهد، من خلال إرساء أنشطة منتظمة في المسرح والموسيقى والفنون، بما يُعزز الانتماء، ويُخفف الضغط النفسي، ويُعيد للمدرسة بعدها الإنساني.

·        تجديد المقاربات البيداغوجية، بتجاوز أساليب التلقين والتكرار، واعتماد بيداغوجيا حديثة تُنمّي التفكير النقدي، والحرية الفكرية، والتعلّم النشيط، مع جعل مهارات الحياة جزءًا أساسيا من المنهاج، بما يشمل:

o       تنمية التعاطف

o       احترام تنوّع ملامح التلاميذ واختلاف خلفياتهم

o       الإيمان بتعدد أنماط الذكاء وطرق التعلّم

·        ربط التعليم النموذجي بآفاق المستقبل، عبر فتح مسارات جديدة نحو مجالات متقدمة كـالذكاء الاصطناعي، الروبوتيك، والبيوتكنولوجيا، بما يحوّل هذه المعاهد إلى مختبرات للريادة والابتكار، لا مجرد فضاءات للترتيب والتصنيف.

 

التغيير يبدأ من المُدرّس: حجر الزاوية في التعليم

في كل نقاش حول تطوير منظومة التعليم، يظل المدرّس العنصر الأهم، والمفتاح الأساسي لأي تغيير حقيقي ومستدام. فبدون تأهيل كافٍ، واختيار نزيه، ودعم مستمر، لا يمكن أن تبني منظومة تعليمية تنتج جيلًا مبدعًا وقادرًا على مواجهة تحديات المستقبل.

يبقى المدرّس الركيزة الأساسية لأي تغيير حقيقي في منظومة التعليم. فلا يمكن بناء جيل مبدع أو نخبة جديدة بأساتذة يفتقرون إلى التأهيل العلمي والتربوي، أو تم انتدابهم ضمن سياسات تستخدم التعليم كآلية لحل معضلة البطالة أكثر من ضمان جودة التدريس.

ولا يمكن تعميم هذا الحكم على جميع المدرّسين، فالجيدون موجودون، وبفضل جهودهم تظل المدرسة نابضة بالحياة. غير أن عددهم لا يزال دون ما تتطلبه المرحلة. ومن الضروري اليوم دعم هذه الفئة وتوسيع أثرها، عبر الاعتراف بها أولًا، وتوثيق تجاربها ثانيًا، بدعوتها إلى الكتابة والتعبير عن رؤيتها وخبرتها داخل الفصول والمدارس.

²فمشاركة هذه التجارب من شأنها أن تشكّل مصدر إلهام جماعي، يُسهم في بناء رؤية تربوية جديدة، أكثر عدلًا وإنسانية وعمقًا.. وتتضاعف أهمية هذا الرهان داخل مؤسسات التعليم النموذجي، التي تعاني من ضغوط نفسية ومنافسة مفرطة، بالإضافة إلى خلل في التواصل الإنساني.

أكدت العديد من شهادات التلاميذ المعنيين تكرار ظاهرة الممارسات المسيئة من بعض المدرّسين، التي تتراوح بين السخرية والإكراه على الدروس الخصوصية، مما يستدعي ضرورة إجراء مراجعة شاملة لمسارتعيين وتكوين المدرّسين في هذه المؤسسات.

ولتجاوز هذه الإشكاليات، تبرز ثلاث أولويات:

1.   اختيار دقيق ونزيه للمدرّسين، من خلال مناظرات شفافة تُركّز على الكفاءة العلمية والبيداغوجية، بعيدًا عن المحسوبية، أو العلاقة بالإدارة ،أو التفقدية، أو النقابة...

2.   تكوين مستمر ومتخصص يجمع بين المعرفة الأكاديمية والمهارات النفسية والتواصلية، بما يساعد المدرّس على فهم خصوصيات التلاميذ والتفاعل معهم بشكل فعّال.

3.   تقييم مهني محفّز يثمّن جودة الأداء ويرتبط بإمكانية التمتع بمنح أو امتيازات تقديرية، لتعزيز التجديد والابتكار ومكافحة البيروقراطية.

إنّ التحوّل الحقيقي في التعليم لا يبدأ من المناهج أو الامتحانات، بل من داخل القسم، من المدرّس الذي يمتلك وعيًا تربويًا، وأدوات مهنية، وقدرة على الإصغاء والتوجيه.

 

الخاتمة: من النخبة المغلقة إلى التميز الإنساني… ومن الصمت إلى التعبير الفاعل.

ليست الغاية إلغاء التعليم النموذجي أو الإبقاء عليه بمنأى عن النقد، بل إعادة تصوره كمسار إنساني ومعرفي، بعيد عن منطق الفرز والضغط والمنافسة المحمومة. فبدل أن يكون رافعة للتعليم العمومي، تحوّل تدريجيًا إلى أحد أكبر مزوّدي سوق الدروس الخصوصية، وأداة لإعادة إنتاج قيم السوق داخل المدرسة، حيث يُقاس التميز بالأرقام والسرعة لا بالعمق والخيال.

في هذا السياق، يكتسي تقرير اليونسكو حول مستقبل التعليم (2021) أهمية بالغة، بدعوته إلى مقاومة سلعنة التعليم، من خلال أنسنته، ووضع المتعلم في قلب السياسات التربوية، لا على هامشها.

إن التغيير الحقيقي لا ينبع فقط من قرارات فوقية، بل من شجاعة التعبير عن التجربة. شهادات التلاميذ وكل من خاض تجربة في المنظومة التربوية، بمن فيهم الأولياء، ليست مجرد لحظات تفريغ ذاتي أو Catharsisعاطفي، بل تمثل وعيًا وضغطًا أخلاقيًا ومعرفيًا متناميًا، وقد تكون مفتاحًا لتحوّل تربوي حقيقي إذا أُحسن الاستماع إليها.

حين يتحوّل الصوت الفردي إلى شهادة، والشهادة إلى وعي، والوعي إلى حركة، يصبح "المتفوقون" أكثر من مجرد أوائل في النتائج؛ يصبحون روّادًا في التفكير، وحملة أمل في التغيير.

ندعو جميع من خاض تجربة التعليم النموذجي من مختلف المواقع — تلميذًا، مدرّسًا، وليًا، وغيرهم — إلى استثمار أدوات الزمن الرقمي لنشر تجاربهم وإثراء النقاش التربوي برؤى صادقة.

حين تُستثمر هذه الكتابات بوعي وجرأة، فإنها تتجاوز الفعل الفردي لتتحوّل إلى وسيلة جماعية قادرة على كسر دائرة الجدل العقيم، وفتح أفق جديد لنقاش مجتمعي يستند إلى ما تتيحه التجربة والبحث من معرفة حية، لا إلى اجترار الشعارات المعلّبة والصور الجاهزة في تكرار ممل.

د. مصطفى الشيخ الزوالي

مستشار عام خبير في الحياة المدرسية

 للاطلاع على النسخة الفرنسية، اضغط هنا.



[1] هذا نموذج من المقالات المذكورة : 

Collèges et lycées : Une proposition vraiment saugrenue de lAssociation tunisienne pour l’éducation de qualitéhttps://www.webmanagercenter.com

[2]تأسست هذه المجموعة الفايسبوكية في جويلية 20218 وتضمنت مختلف الآراء والتحركات التي قام بها الاولياء واستمرت لاحقا تحت اسم جديد «أولياء ومربون متحدون» . بلغ عدد المنخرطين فيها حوالي 10 الاف عضو (تاريخ آخر زيارة في 30 جوان2025)

 

[3]Cros,F.(2008) : le pari du projet décole en Tunisie . UNICEF p.12-13

[4] Vous avez écrasé mes rêves » : le récit accablant d’une élève brisée par le lycée pilote de Sfax . https://www.businessnews.com.tn/23/06/2025

[5] https://legal-agenda.com/author/author223/

[6] https://nawaat.org/2021/08/30/la-face-cachee-des-lycees-pilotes-en-tunisie/

[7]مهدي الشريف لم يكن تلميذًا في معهد نموذجي ، بل درس في مدرسة خاصة هي "International School of Carthage"، حيث كان من الأوائل على دفعته عام 2016. اختار أخذ سنة بيضاء بعد البكالوريا ليتفرغ لدراسة المنظومة التربوية التونسية، ما قاده إلى تأليف كتابه "تأملات تلميذ متمرد" سنة 2017.

[8]CHERIF Mehdi(2017).  Réflexions d'un élève insoumis: Ma contribution à la réforme de l’éducation

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire