تقترح المدونة البيداغوجية على متابعيها نصا بقلم الأستاذ ابراهيم بن صالح سبق أن نشره على صفحته الخاصة في شهر جويلية 2025 نظرا لأهمية المسألة المطروحة و عمق تحليلها . يتناول الأستاذ إبراهيم إشكاليّة
دور المدرسة في تكوين النخب مقابل تعميم المعرفة. وانطلق من أطروحة محمّد الشرفي
حول ضرورة إعداد نخبة تقود المجتمع، متسائلًا عمّا إذا كان الهدف من المدرسة هو
تكوين المتميّزين فقط أم نشر المعرفة بين الجميع. ويعرض وجهة نظر الشرفي
والمسعدي[1]
الداعية إلى "مدرسة النخب"، ثمّ يقارنها بأفكار مفكرين مثل جاك
رانسيار الذين يرون في هذا التوجّه إقصاءً للنسيج الشعبي وإعادة إنتاج
للأرستقراطية. ويخلص إلى أن المجتمع لا يحتاج إلى نخب و لكن لا لنخبة متسلّطة، كما هو في حاجة إلى التميّز
في كلّ مجال، بحيث يتحوّل الشعب إلى "شعب نخب" وإلى مجتمع متوازن
تقوده نخبه المتعدّدة. |
يقول الأستاذ محمّد الشرفي : " إنّما الأمم بنخبها
" وهو يقصد بذلك أنّ على المدرسة أن تولي عناية كبرى بتخريج النخب التي
ستتولّى قيادة المجتمع ، أمّا الباقي من التلاميذ فينبغي توجيههم نحو مجالات عملية
أخرى وإلى مراحل متوسّطة من التعليم .وهنا للمرء أن يتساءل : هل المطلوب إلى
المدرسة أن تنشر المعرفة أكثر ما يمكن بين أفراد المجتمع باعتبار المعرفة هي
السبيل إلى التحرّر وتحقيق المساواة ، أم أنّ المطلوب إلى المدرسة الاهتمام
بالمتميّزين قبل غيرهم لإعداد العلماء وأهل الفكر وقادة السياسة وهندسة المجتمع ؟
ـــ يبدو أنّ هذا الإشكال القديم لم يعرف طريقه إلى الحلّ حتّى بإقرار مبدإ
إجبارية التعليم .فثنائية النخبوية والجمهرة كانت ومازالت تقتسم المفكّرين في
الشأن التربوي ، لأنّ هناك من يعتبر المعرفة هي السبيل إلى تحرر الإنسان ولذلك وجب
تعميمها على الجميع وهناك من يرى أنّ القول بهذا الاختيار وإن كان يوحي بالمساواة
بين المتعلّمين فإنّه يخفي وراءه اختيارا أخر وهو إعادة إنتاج اللامساواة التي
يعاني منها المجتمع .
إنّ مبدأ تكافؤ الفرص يوهم بأنّ هناك عدالة مدرسية لأنّ
التلاميذ يتلقون نفس المحتويات التعليمية ويجتازون نفس الامتحانات ، ولكنّ الحقيقة
غير ذلك ، لأنّ مبدأ تكافؤ الفرص هو مبدأ يعمّق الفوارق بين التلاميذ ويضاعف من
اللامساواة بينهم بحكم اختلاف المنحدرات الاجتماعية للتلاميذ .ومن ثمّة فإنّ
الحديث عن النخب هو حديث عن الفئات الميسورة التي تقدر على التقدّم في المراحل
التعليمية بتميّز دون بقية التلاميذ وبالتابع تصبح هذه الفئات هي المعنية دون
غيرها بتسيير المجتمع والتفكير في توجّهاته الكبرى ـــ هذه هي المدرسة الناجحة في
نظر كلّ من الأستاذ محمّد الشرفي والأستاذ محمود المسعدي ومن عاش في فلكهما ،
المدرسة ذات السرعتين ، ودونها نسقط في الديموقراطية المدرسية الشعبوية التي تؤدّي
إلى تمكين " محدودي التكوين العلمي والمعرفي " من السلطة ومراكز القرار
، وعندما يحصل هذا فانتظروا عهودا من الاستبداد والتخلّف . الديموقراطية المدرسية
الحقّ والتي تعني المساواة في كلّ شيء خطر على المجتمع في نظرهم ، بل الديموقراطية
الحقيقية عندهم تكمن في توفير أكثر ما يمكن من المسالك التعليمية التي تجد فيها
مختلف الفئات التلمذية حاجتها وطبقا لإمكانيات كلّ منها سواء من ناحية الإمكانيات
الذهنية أو من جهة الأوضاع الاجتماعية. ـــ والحقّ أنّ كثيرا من المفكّرين من
قبيل جاك رانسيار[2]
يعتبرون هذا النوع من فهم الديموقراطية (الشرفي والمسعدي) هو فهم نخبوي وأرستقراطي
وأنّ تقسيم خريجي المدرسة إلى فئة تحمي
القيم المجتمعية ، وتسهر على تنظيم المجتمع وفئة أخرى محدودة الفكر أو لا تقدر إلا
على ما هو حسّي وعملي هو تقسيم اعتباطي لأنّ الديموقراطية في نظر هؤلاء المفكّرين
هي نمط حياة جماعي قبل أن تكون نظام حكم أو سلطة قرار . هؤلاء المفكّرون ينبهون
إلى أنّ الثقافة المدرسية يجب أن لا تكون منقسمة إلى ثقافة نخبوية وثقافة جماهيرية
أو شعبية ,إنما يجب أن تتاح الفرص للجميع لكي يقتحموا كل المجالات الثقافية
والمعرفية . ـــ
يبقى السؤال القائم لدينا هو : هل يمكن التوفيق بين الاستجابة إلى حاجيات النخب
العالمة وحاجيات اللفيف الواسع من التلاميذ المتوسطين ؟ بعبارة أخرى هل يمكن
التوفيق بين المعنى المعرفي والمعنى الاجتماعي في التعلم ؟ أليس الأخذ بالسرعات
المختلفة في التعليم اختيارا يقوم على توزيع الأدوار بين المتعلّمين استعدادا
لإدماجهم في المجتمع طبقا لحاجياته ومقتضياته ؟ لماذا لا نقرّ بحقيقة معيشة وهي
أنّ التلاميذ يختلفون في حاصل الذكاء وهو ما يشرّع تعدد السرعات المدرسية ؟ لماذا
لا نعترف باختلاف الميولات
لدى المتعلمين ، من يميل إلى المعارف المجرّدة ومن يميل إلى المعارف الحسية ؟
فنعدّد المسالك بحسب الميول والرغبات ودرجات الاستعداد وهذا نقوله بقطع النظر عن
اختلاف المنحدرات الاجتماعية بين التلاميذ ؟ ــــ الذي لا يختلف فيه اثنان هو أنّ
المجتمع أيّ مجتمع ، ليكون أمّة عظيمة تسير في طريق التقدّم سيرا متزنا دقيقا
يحتاج إلى نخب في الآداب والفكر والاقتصاد والعلوم والصحة والتعليم والسياسة
والرياضة والثقافة والصحافة والإعلام وغيرها من مجالات الحياة لكنّه ليس في حاجة
إلى أرستقراطية تؤسسها هذه الفئة أو تلك .التوازن الحقيقي المنشود بين النخبة
والشعب يكمن في تحقيق التميّز لدى كلّ فئة في اختصاصها . فعندما تتوفّرللشعب نخب
في مختلف الاختصاصات يمكن أن نطلق عليه صفة " شعب النخب " أي بلد النخب
أو أمّة النخب . في هذه الحالة يمكن للشعب أن يمارس سيادته عن طريق نخبه دون أن
تتمكّن منه نخبة بعينها تسلّط نفسها عليه وتسمح لنفسها أن تقرر باسمه (ميشيل
أونفراي[3])
.على أنّ ما ينبغي التنبيه إليه أيضا هو أنّنا لا نقصد من وراء هذه التدقيقات أن
تصبح مقاليد البلاد في أيدي التكنوقراط
الموضوع للمتابعة القريبة والجادّة .
ملاحظة : يمكن الاستفادة في هذا الصدد من السجال
بين ( جاك رانسيار وميشال أونفراي ) في الملفّ الوارد بالمجلّة الفلسفية philosophie magazine n 124
novembre 2018
إبراهيم بن صالح ـ متفقّد عام للتربية ـ متقاعد ــ جوان
2025
للاطلاع على النسخة الفرنسية اضغط هنا
[1] وجهت إلى
السيد إبراهيم سؤالا عن المسعدي وكيف كان
نخبويا و المعروف أنه كان من أنصار تعميم
التعليم أفقيا و عموديا؟ كان كذلك لا في المعنى الذي ذهب إليه البيداغوجيون وإنما في معنى ضرورة الفرز بين من يتوجّه إلى
التعليم العام ومن يتوجه إلى التعليم المهني أو التعليم التقني القصير.
[2]
Jacques Rancière, né le 10 juin 1940 à Alger, est
un philosophe français qui travaille principalement sur la politique et
l'esthétique.
[3] Michel Onfray, né le 1er janvier
1959 à Argentan, est un philosophe, essayiste
et polémiste français.

شكرا على النشر وشكرا لصاحب المقال في ما ذهب إليه.وفي تقديري المدرسة التونسية نخبوية بامتياز وفي كل المراحل بدليل نسبة المنقطعين والمتسربين من التعليم في كل مراحله من ناحية ونسبةحاملي الشهادات من عدد السكان من ناحية ثانية. وهذه الظاهرة متأصلة في الوعي الجمعي وأهم رافعة لها التقويم؛ اذ لا يكفي تشجيع التمدرس ونشر التعليم فالعبرة بالنتائج. وعادة ما تقدم حجة وهمية تتمثل في الحفاظ على المستوى، ولم نعرف يوما مستوى الذين نجحوا ام مستوى الذين لم ينجحوا حيث لا اتفاق على مستوى محدد في أي درجة تعلم ولاوجود لسلم قياس المستوى المطلوب. ولا تهتم المدرسة بغير الناجحين بل تحتفي بعدد محدود من المتميزين كشجرة تغطي الغابة.
RépondreSupprimer