dimanche 23 mai 2021

نظرية الأهداف التربوية - القسم الثالث

 

 

الهادي بوحوش

 
في نطاق إحياء ذكرى الرابعة لرحيل الأستاذ الهادي بوحوش تقدم المدونة البيداغوجية للقراء الجزء الأخير من بحث نشره سي الهادي بالعدد الرابع من النشرة التربوية  للتعليم الثانوي  سلسلة جديدة  نوفمبر1983 خصصه للتعريف ببيداغوجية الأهداف وكان للراحل - صحبة فريق من المربين-  دور ريادي وأساسي في نشر هذه المقاربة التي لم تكن معروفة في بلادنا وكان دخولها للبلاد التونسية عبر برنامج التربية العمرانية الذي كان ينشطه فريق من المتحمسين نذكر من بينهم  مبروك المناعي - الهادي بوحوش -  نعيمة كشطان  - محمد بسباس...

وبفضل نشاط هذا الفريق وإشعاعه انتشرت المقاربة في عدد من الاختصاصات حتى اعتمدت بصفة رسمية في إصلاح 1992 وبنيت البرامج الجديدة حسب مقاربة الأهداف .

 

III - اشتقاق الأهداف واختيارها:

1) منهجية المنبع والمصفاة : أنموذج ر.تيلر.

وضع تيلرR.Tyler  منذ 1950 منهجية تقوم على قاعدتي المنبع والمصفاة مهمتهما المساعدة على البحث عن الأهداف العامة وفرزها .فالمنبع يمكن بفضل عملية التحليل من استقراء الأهداف وحصرها . أما المصفاة فهي أداة للمراقبة والتثبت  تتيح اختيار ما اشتق من أهداف قصد استبقاء ما نعتقد صالحا منها. والرسم الموالي يجسم هذه المنهجية. [1]

 


 يرى تيلر - كما ينص على ذلك الرسم - أن المنابع الأولية لاشتقاقات لأهداف العامة ثلاثة  وهي على التوالي : المجتمع ثم التلاميذ ثم المحتويات .

فتحليل المجتمع يمكننا - حسب تيلر - من التعرف على القيم الفكرية و الاتجاهات السلوكية التي يعيرها الناس بالغ الأهمية وعلى الكفاءات المهنية وغير المهنية التي يقتضيها المجتمع من أعضائه. وهذه وتلك هي التي تساعد الفرد على الاندماج في المجتمع. وما على المؤسسة التربوية إلا أن تتكفل بتدريس ما يقتضيه المجتمع . وفي هذا المعنى يقول تيلر : " من المهم أن ندرس السلوكات وطرق التفكير والإحساس والتصرف ذات الأهمية في مجتمعنا والتي تساعد الفرد على  أن يصير عضوا بحق في هذا المجتمع.

أمّا دراسة التلاميذ فترمي إلى الوقوف على حاجاتهم الجسمية و الفكرية والوجدانية والمهارية الدالة على مشاغلهم واهتماماتهم كما تهدف إلى التعرف على مستواهم و مكتسباتهم قبل مزاولتهم التعلم.

وتشير المحتويات - وهي المنبع الثالث- إلى أنواع المعارف وطبيعة المعلومات التي من المفيد أن يكتسبها أفراد المجتمع جميعهم وكذلك المعارف و المعلومات التي يمكن أن ينفرد بها المختصون في كل فن من الفنون.

وتفضي عملية تحليل المنابع الثلاثة إلى عدد كبير من الأهداف تتصف بالعمومية ويعتبرها "تيلر" أهداف عامة وقتية " ويختبرها بمصفاتين:

* فلسفة التربية  أو النظرة التربوية السائدة في المجتمع ( المحافظة / التغيير- الانضباط - التحرر- الاتباعية - الاستقلالية...) أو التي تتبناها المؤسسة التربوية ( في النظام الأمريكي) فبهذه المصفاة تبوب الأهداف العامة الوقتية حسب أهميتها في المنظار الاجتماعي فيُستبقى منها ما تناغم وقيم المجتمع واتجاهاته ومبادئه ويلغى منها ما تضارب مع ذلك.

*ونظرية التعلم : بها تفرز الأهداف العامة الوقتية حسب مطابقتها أو مخالفتها لمبادئ علم النفس وقواعد التربية. فهي التي توضح القوانين تعلم وتفيد في معرفة طبيعة التلاميذ وقدرتهم على الاستيعاب والتمثل.

وتؤدي عملية الغربة هذه إلى قائمة جديدة من الأهداف هي التي يسميها "تيلر " الأهداف التعليمة المضبوطة".

وهكذا سعى" تيلر"  بمقترحه هذا إلى تجاوز الفجوة الملاحظة بين التربية والحياة وذلك باعتباره المجتمع منبع وإلى التوفيق بين الحاجيات الجماعية والحاجيات الفردية  بتحليله مشاغل التلاميذ واعرفه على اهتماماتهم وإلى إيجاد تلاؤم بين مضامين المواد الدراسية ومستلزمات الحياة الاجتماعية.

على ان هذا المقترح - رغم انتشاره وصيغة الوظائفية النفعية- لا يخلو من مناقص . فقد عيب على "تيلر" في المستوى الفكري إفراطه في " الإيجابية"  المتمثل في أيمانه بأن المجتمع يتحكم تحكما لا مناص منه في القيم وفي تسليمه بالمبادئ السائدة فيه دون تساؤل عنها أو عن مراجعتها. وعيب عليه في المستوى المنهجي إرجاؤه عمل المصفاتين إلى المرحلة الثانية مما قد يؤدي إلى حصول " انحرافات" في مرحلة التحليل مما جعل بعضهم ( مثال قودلاد Goodlad ) يرتئي ضرورة إعمال القيم في جميع المراحل وضع المنهاج الدراسي.

على أن هذه المطاعن - على وجاهتها - لا تنقص من قيمة هذه المنهجية ومن نجاعتها .فقد تبنى المهتمون بالأهداف قاعدتي المنبع والمصفاة وحوروا المنابع ومحتواها قليلا كما يبين ذلك الجدول الموالي:

 

رالف تيلر R.Tyler

ب.س . بلوم B.S. Bloom

1

المجتمع

الحضارة المعاصرة : مقتضيات الحياة الاجتماعية

2

التلاميذ

التلاميذ

3

محتويات التعلم

طبيعة المادة ( الاختصاص)

4

 

الأنشطة المهنية التي يؤهل إليها التلاميذ

 

يتضح من خلال هذا الجدول المقارن أن "بلوم " قد أضاف منبعا رابعا وهو طبيعة المادة. ويتمثل هذا المنبع في تحليل المادة المعنية قصد الكشف عن بنية المفاهيم فيها وما تقتضيه هذه المفاهيم من عمليات ذهنية وقصد تحديد مدى  مساهمة هذه المادة في التمكن من المواد الأخرى . وهذا المنبع الرابع يجعلنا نشعر أن " بلوم" على خلاف "تيلر" كان يفكر في نطاق المواد- مادة مادة-  في حين كان "تيلر " يفكر في الأهداف المشتركة بين عدة اختصاصات.

2 - مقترح "س. برزيا"  César Birzéa [2]

يندرج مقترح هذا المؤلف ضمن تصور شامل يرمي إلى التدرج في ضبط الأهداف التربوية من العام إلى الخاض ومن المجرد غلى الملموس. والاشتقاق عنده إحدى عمليتين - و أولاهما - يتحقق بهما هذا التحديد للأهداف ويتمثل في تحويل الغايات إلى أغراض (Buts)  وفي تحويل الأغراض إلى أهداف عامة كما في الرسم الموالي:



أ- ينص الرسم على ثلاثة منابع تعتمد لضبط الغايات وهي طبيعة الإنسان والمجتمع والمعرفة وهذه المنابع لا تختلف جوهريا عن المنابع التي سبق التعرف عليها.

ب- تضمن الرسم محطتين قبل الانتهاء إلى الأهداف العامة وهو ما يميزه عن منهجية "تيلر" الذي أغفل الغايات.

* الغايات : ويقصد بها المؤلف الاختيارات الكبرى للنظام التربوي والتوجهات سياسة التربوية.

*الأغراض : تستمد من الغايات وتترجم فيها الملامح المنشودة  للإنسان الذي يعتزم تربيته وتكوينه من جهة ونوع المجتمع الذي يؤمل أن تنحته السياسة التربوية . ويشترط أن تطابق الأغراض خصائص النظام السياسي والاجتناعي.

* الأهداف العامة : تشتق هذه الأهداف من الأغراض وفيها تنصيص على مجالات التغيير التربوي المزمع إحداثه في المتعلمين .لا تختلف الأهداف العامة المذكورة عن أهداف "تيلر" لأنها ترد - في المنهجين- في صيغة تتصف بالعمومية والشمول صالح لمختلف المواد الدراسية.

ومن رصيد الأهداف العامة يقع انتقاء ( اختيار) أهداف تلائم المواقف التعليمية والمحتويات النوعية لكل مادة ثم تنظم هذه الأهداف تنظيما يسهل تبليغها .( حسب الأصنافيات أو غيرها).

3- منهجية  دي لاندشير De Landsheere [3]

لم يتوقف "ف.و ج. دي لندشير " عند اشتقاق الأهداف العامة بل قدما منهجية تغطي مختلف درجات الأهداف وتنص على كيفية التدرج من أكثرها عمومية وتجريدا إلى أكثرها عملية ودقة وتعنى في ذات الوقت بالمادة ( المحتوى) وبالعمليات الذهنية التي ستجرى على هذه المادة.

وقد جاءت هذه المنهجية في صيغة مراحل ثلاث وهي :

- إحصاء الغايات

- إحصاء الأهداف العامة وتصنيفها

- إحصاء الأهداف النوعية وتصنيفها.

أ- تتمثل مرحلة إحصاء الغايات في تحليل ثلاثة منابع ممكنة للأهداف التربوية وهي الوظيفة الاجتماعية للتربية ورأي المجتمع في أهداف التعليم  والفلسفة التربوية . ويفضي هذا التحليل  إلى قائمة من الأهداف تتصف بالتجريد.

ب- تتضمن المرحلة الثانية خطوتين تختص أولهما بما يسمى "التوضيح" Explicitation  وثانيتهما "بالتمييز"  ويقصد بالتوضيح الشروع في تخصيص المحتوى التعليمي وذلك بتحديد ميادينه الكبرى وأبوابه العامة ( مادة واحدة- مجموعة مواد). وفي الإشارة إلى المجالات التي سيشملها التعليم  ( المعرفي / الوجداني / الحسي الحركي) ونصيب كل منها و كذلك التنصيص على العمليات الذهنية  التي سيتدرب التلاميذ عليها.

أما عملية التمييز - وهي الخطوة الثانية - فتتمثل في العمل على تصنيف الأهداف العامة - المتولدة عن الأهداف المجردة - إلى مجموعتين حسب أنواع التعليم ومستوياته أولا ثم حسب أهمية كل هدف من الأهداف ثانيا.

ج- وتقتضي المرحلة الثالثة عمليتين : " التجسيم والتمييز "ويتمثل التجسيم في تحليل ما أمكن التوصل إليه في المرحلة السابقة من محتوى تحليلا مفصلا إلى مباحث مضبوطة وعناوين مدققة ونقاط مفصلة وفي تحديد القدرات المقتضاة من التلاميذ تحديدا مضبوطا.

وتكون حصيلة هذه العملية قائمة من الأهداف النوعية (حسب المواد في هذه المرحلة ) ثم يردف هذا التجسيد بتصنيف الأهداف حسب معايير ثلاثة وهي قيمة الهدف وكلفته وإمكانية تقديمه تقديما بيداغوجيا ملائما.

وهكذا  فقد ربط المؤلفان الصلة بين ثلاثة أصناف من الأهداف ( الغايات والأهداف العامة والأهداف النوعية ) وذلك بالتدرج في تطبيق المضامين والعمليات الذهنية وتصنيف الأهداف وضمنا بذلك تناسقا بين المستوى الأعلى والمستوى الأدنى.

4- مقاييس اختيار الأهداف

إلى جانب مصادر اشتقاق الأهداف نجد عند بعض المؤلفين اهتماما خاصا بالمعايير التي  تنتقى في ضوءها الأهداف وتقتصر على تقديم ما فقترحه ماك نيل Mc Neel (1969) ولوسي دينو L.D'Hainaut  (1980)

حدد ماك نيل ثلاثة مقاييس رأى أن تضافرها يمكن من اختيار الأهداف منها ما يتصل بالمادة ومنها ما يتصل بالوظائف التي يؤهل إليها التلاميذ و منها ما ب=يتصل بالمجموعة المستهدفة.

أ- تحليل مواضيع المادة أو الاختصاص : حتى يتم التعرف على المواضيع الطريفة والجديدة قصد تضمينها في قائمة الأهداف الجديدة.

ب- التلاؤم مع الحياة اليومية:  ويقع التوصل إلى هذه الملاءمة  بحصر ما يحتاجه الأفراد في حياتهم من معلومات ومعارف وقدرات و ما تقتضيه الأنشطة المهنية  التي في المجتمع من مهارات وكفاءات.

ج - مشاغل التلاميذ : على أن " ماك ميل " يحترس من هذا المقياس لأنه يرى أن الاهتمامات و المشاغل التي يصرح بها التلاميذ ظرفية قد لا تدل دلالة كافية على مشاغلهم الحقيقية.

أما لويس دينو " L.D'Hainautفقد فضل في كتابه " من الغايات إلى الأهداف التربوية " [4] المقاييس الواجب اعتبارها عند اختيار قائمة الأهداف التربوية. ولقد عمدنا إلى تلخيصا في جدول حتى يسهل تناواها .

 

المقياس

مفهومه

1- التناسق مع الغايات

مدى خدمة الهدف للاختيارات الكبرى ( السياسة التربوية) وتوافقه مع القيم ومفهوم الثقافة وتحقيقه لحاجات الأفراد والمجموعات.

2- التلاؤم مع الأغراض

ما هي الأغراض التي يُمكّن هذا الهدف من تحقيقها؟

ما هي المهارات والمعارف والمواقف التي يمكن من اكتسابها؟

3- التلاؤم مع المجموعة المستهدفة

توافق الهدف مع نضج التلاميذ فكريا ووجدانيا؟

مدى اعتماده على مكتسباتهم السابقة (مستواهم) وتناسبه ومشاغلهم الحقيقية؟

4- مجال الهدف

مدى اتساع الميدان الذي سيطبق فيها المكتسبات التي يوفرها الهدف؟ مدى فائدة المكتسبات؟ هل بالإمكان تطبيقها على مواقف جديدة وحالات لم يقع التعرض إليها في الفصل؟ مدى استمرارية المكتسبات؟

5- التكلفة

الموارد المادية والبشرية التي يتطلبها تحقيق الهدف ( المدة /الأعوان/ التجهيزات/ الاموال...)

6- الأثر العاطفي

مدى استجابة الهدف لما ينتظره المتعلمون والمربون والأولياء؟ انعكاسه على إقبال التلاميذ على التعلم وعلى الحياة المدرسية عموما؟

 

فالهدف الذي يُستبقى - حسب '' دينو " هو الذي يستجيب لأكبر عدد من هذه المقاييس على أنه يالإمكان دمح هذه المقاييس للحصول على عدد أدنى  كما اقترح " دينو" وإخضاع كل هدف له:

- معيار الإفادة :مدى اتساع مجال الهدف وقيمته ( ما يستفيد منه الفرد والمجموعة).

- المعيار الاقتصادي : مناسبة الإفادة للتكلفة؟

- معيار البيداغوجي : الجمع بين ا؟لإفادة و الأثر الوجداني

خاتمة

تلك أبرز ملامح نظرية الأهداف التربوية حاولنا تقديمها بإيجاز نرجو أن لا يكون مخلا وتعمدنا إغفال ما يتصل بتقنيات صياغة الأهداف النوعية وما تثيره من مسائل لا تخلو من إحراج لمساسها بنظرية التعلم. وليس من الإفراط في القول أن نذهب إلى أنه لم يعد بإمكان المنشغلين بالتربية في عصرنا هذا المتميز بالتحول والتغيير ألا يعير هذا المبحث  - الأهداف- ما يستحق من الأهمية . وفعلا فقد أخذت الأهداف تحتل المكانة اللائقة بها في عديد الأنظمة التربوية وبات مفهوم الهدف من المفاهيم التي لا يستقيم بدونها التخطيط التربوي ونظرية التقييم ونظرية المناهج الدراسية.

وإن لم ير البعض في الأهداف سوى رد فعل تجاه ما ينتج عن الأهداف ذات الصياغة الفضفاضة من غموض وعقم فإن أبعادها الحقيقية تتجاوز دون شك هذا المعنى ذلك انها تندرج ضمن تيار من البحوث التربوية يعمل أصحابها على الارتقاء بالقطاع التربوي من طور " الحرفية المستنيرة" إلى طور " النسبية البيداغوجية" على ما قد يكون في ذلك من غلوٍّ.

للاطلاع على النسخة الفرنسية - اضغط هنا

انتهي للعودة إلى القسم الأول اضغط هنا و للعودة إلى القسم الثاني اضغط هنا

الهادي بوحوش متفقد تعليم ثانوي

تونس - نوفمبر 1983



[1]  الإحالة  (  b   ) ص 41 والمرجع السابع ص 26 الرسم الثاني.

[2]  المرجع السابع .ص 24 - الرسم الأول.

[3] الإحالة b ص.29 . ولمزيد من التفاصيل يمكن الرجوع إلى كتاب " س. برزيا   Cézar Birzéa  المذكور أعلاه.ص.27.

[4]  الاحالة ( a ) ص.80-94.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire