lundi 14 octobre 2019

معايير بناء المناهج الدراسية بتونس - الجزء الثاني -



هادي بوحوش
هذا الأسبوع ، تواصل المدونة البيداغوجية نشر القسم الثاني من مداخلة ابراهيم بن صالح التي قدّمها سنة 2006 بالشارقة ( الإمارات العربية المتحدة)  في ندوة  نظمتها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم[1] و المنظمة  الألكسو والمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة الإيسيسكو[2]  وقد شارك الأستاذ بن صالح في الندوة كممثل  لوزارة التربية ونظرا للقيمة التاريخية  لهذه المداخلة  أردنا أن نقدمها لقراء المدونة . فشكرا للسيد إبراهيم بن صالح على السماح لنا بذلك وعلى مساهماته في إثراء المدونة. 



الباب الثاني: ملامح خريج المدرسة التونسية
الباب الثاني من الوثيقة المرجعية ضبطت فيه لجنة برنامج البرامج ملامح خريج المدرسة التونسية بعد قضائه ست سنوات في التعليم الابتدائي وثلاث سنوات في التعليم الإعدادي وأربع سنوات في التعليم الثانوي .
والمقصود بالملامح جملة الكفايات (المعارف والقدرات والمهارات والسلوكات) التي يكون المتعلم قد كسبها بعد مرحلة تعليمية معينة ويصبح قادرا بعد تخرجه  من المدرسة على استخدامها في الحياة واستثمارها في المجتمع .فهي تعبر عن رؤية عامة للمكتسبات الأساسية التي يكون المتعلم قد حصلها عند التخرج لذلك اعتبرت غاية من غايات المدرسة وأساسا من أسس بناء البرامج.
وقد استغرق عمل لجنة برنامج البرامج وقتا طويلا لتصور هذه الملامح لأنّ المسألة مرتبطة بأجيال قادمة نحن مدعوون إلى تهيئتها للقرن الحادي والعشرين.
وأثير بين أعضائها جدل كبير لأنهم أجبروا على الإجابة عن أسئلة صعبة وعلى الذهاب في اتجاهات بعينها ورهانات دون سواها ستعتمد أساسا لبناء برامج تكوينية.
فلكي نجيب عن السؤال المركزي" ما ملامح المتخرج من المعهد الثانوي بعد ثلاث عشرة سنة من الدراسة ؟ " وجب علينا أن نتفق على طرح ثلاثة أسئلة تتصل بثلاثة مواضيع وهذه الأسئلة هي :
1- ما سمة العالم الذي نكوّن له التلاميذ؟
2 - ما رسالة المدرسة اليوم؟
3- ما نوع المعارف التي يجب على التلاميذ اكتسابها؟
دار نقاش طويل وثري حول سمات العصر الجديد ومميزات الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الدولية والوطنية وحول التحديات التي يواجهها المجتمع التونسي وما قد تعيشه الأجيال الجديدة من تحولات ، كما تناول النقاش ظاهرة العولمة وانفجار المعارف والتطور السريع للتكنولوجيا والصعوبات الجديدة في الحياة الاجتماعية.
ولقد رصدت لجنة برنامج البرامج انعكاسات العولمة على الأفراد والشعوب وأخذت بعين الاعتبار ما ذهب إليه الخبراء والمحللون من أن عهدة انغلاق المجتمعات على نفسها قد انتهى وأن وسائل المواصلات والاتصال قد تكثفت وأن الأسواق قد توسعت وأن التجارة قد أضحت أكثر تحررا وأن المنافسة بين الأمم قد احتدت واستشرت وأن انتقال رؤوس الأموال والبشر والأفكار والقيم والثقافات أضحى أيسر من ذي قبل.
ووقفت اللجنة في مسألة انفجار المعارف والتطور السريع للتكنولوجيات عند ظاهرة الثروة التي لم تعد مقصورة على المواد الأولية وإنما تجاوزتها إلى المعارف والتكنولوجيا.ورأت انّ التقدم السريع للمعارف والتقنيات ستدفع بلا شك نحو رفع السقف المعرفي ونحو المزيد من التخصص والتجويد الصناعي.على أن الذي استوقفها أكثر في هذا الانفجار المعرفي والتقدم التكنولوجي (وغفل عنه واضعو برامج 1991) هو هذه التحولات الكبيرة والنوعية في تكنولوجيا المعرفة ، تغييرات في أنظمة العمل بالمؤسسات ( التراتبية/العلاقات بين الأفراد...) تأثير هذه التكنولوجيات في طرائق التفكير وفي التنظيمات الاجتماعية...
   
  أما مظاهر تعقد الحياة التي وقفت عندها اللجنة وتوقعت مزيد توسعها واستفحالها فعديدة نذكر من بينها:
* تخريب البيئة الطبيعية بسبب التطور الاقتصادي والصناعي والتفكير جديا في المحافظة عليها.
*التقسيم غير العادل للثروة سواء بين المجتمعات أو في مستوى المجتمع الواحد وما قد يترتب على ذلك من صراعات بأشكال مختلفة
*استفحال ظاهرة الهجرة وتقلص الوازع الوطني
* ازدياد التنوع الثقافي في المجتمعات مع نزوع نحو القوميات الصغيرة والهويات الإثنية الضيقة والعصبيات القومية الراديكالية.
*مواجهة الأنظمة الديمقراطية لعدة تحديات كمسألة تحديد معايير التضامن والمسؤوليات المدنية والتعامل مع الآخر.
* التراجع في حقوق المرأة في بعض المجتمعات وما يستوجب ذلك من جهود في اتجاه المحافظة على مكاسبها وتمكينها من مزيد من الحقوق وفسحة أوسع من الحرية.

*توسع ظاهرة الحروب وما يقتضيه ذلك من جهود في اتجاه نشر ثقافة السلم وتعايش في أمن واستحضار الآخر بكل متعلقاته الاقتصادية والثقافية.
*التهديد الذي تتعرض له بعض الهويات وما يستدعيه ذلك من الدعم والرعاية والصيانة منها الهوية العربية الإسلامية.
تبعا لتحليل الأوضاع هذه وللتشخيصات الأولية نبهت لجنة برنامج البرامج وبقوة إلى أن بناء البرامج عبارة عن بناء مجتمعي وليس مجرد تجميع مواد في اختصاصات متنوعة وليس تعوض مادة دراسية بمادة أخرى أو مفردة بغيرها، إنه إجابة عن رهانات كبرى لبناء نموذج مجتمعي معين لزمان غير زماننا، وكل إصلاح يدخل على البرامج القديمة هو ترجمة مباشرة عن الرغبة في التكيف مع الجديد والتهيؤ للتعامل مع التحديات الجديدة ، لذلك لا غرابة أن نرى أنفسنا في وقت لاحق نعدّل ما نحن بصدد تسطيره اليوم فنستدرك بأنفسنا على أنفسنا.
*


بناء على ذلك وبسبب منه طرحت لجنة برنامج البرامج من جديد رسالة المدرسة للنقاش فاستبعدت أن تعامل المدرسة معاملة المؤسسة الاقتصادية التي  تخرج الإطارات وتلبي الحاجيات الاقتصادية للبلاد دون غيرها من المهام بل ذهبت إلى أن رسالة المدرسة هي جماع ثلاثة مقاصد هي التعليم والتربية والتأهيل.


أما من جهة التعليم فقد رأينا أن المدرسة وإن لم تعد المكان الوحيد الذي يتعلم فيه الأطفال ، فإن الوظيفة التي تضطلع بها المدرسة تظل مقصورة عليها ولا تقدر أي مؤسسة أخرى على الحلول محلها في النهوض بها وخاصة في ما له صلة بإكساب التلميذ قدرات وكفايات ومعارف ومهارات متنوعة .إن هذه الميزة التي تتحلى بها المدرسة تحمّلها مسؤولية ثقيلة في تكوين العقول وما يستوجب ذلك من أنشطة ملائمة  تبنى للغرض ومن معارف محكمة البناء تسهم في بناء الشخصية.
أما من جهة  التربية فقد رأينا أن على المدرسة التونسية أن تحدد لنفسها وظائف تربوية على قاعدة النهوض بالقيم الجماعية وكل ما يهيئ الشباب ليصبحوا مواطنين مسؤولين فتحمّل نفسها مسؤولية تربية الناشئة على العقيدة الإسلامية السمحة والأخلاق الحميدة والسلوك القويم وروح المسؤولية والمبادرة وتنمية الحس المدني لدى المتعلم وتنمية شخصيته بكل أبعادها الخلقية والوجدانية والعقلية والبدنية وتربية الناشئة على حب العمل واحترام الآخرين والتكيف للعمل معهم.
وأما من جهة التأهيل  فقد حمّلنا المدرسة مسؤولية تأهيل المتعلمين للحياة العملية وذلك بتمكينهم من كفايات تخول لهم استثمار معارفهم ومهاراتهم في السياق المدرسي فيكونون قادرين على الاجتهاد والابتكار والعمل الجماعي وحل المشكلات غير المنتظرة واصطناع المشاريع ذات الدلالة في الحياة.
هذه هي رسالة المدرسة في تونس كما تصورناها وكما صاغها القانون التوجيهي المؤرخ في 23 جويلية 2002 وهي رسالة جديدة تتماشى وما ينتظر العالم من تحولات عميقة في تركيبة المجتمعات وبنية المعرفة وأساليب العمل ووسائل الإنتاج.
على أساس هذا رسمت لجنة برنامج البرامج ملامح التخرج بعد ثلاث عشرة سنة  من الدراسة وما ينتظر أن يكسب منها المتعلم بالمرحلة الأولى من التعليم الأساسي وما يرجى أن يكسبه في نهاية التعليم الثانوي ، وهذه الملامح نذكرها في هذا السياق مختصرة.
من الملامح ما يتصل بالأبعاد الشخصية ومنها ما يتعلق بالأبعاد المدنية ومنها ما يتصل بالأبعاد المعرفية والثقافية ومنها ما يتصل بالأبعاد العملية  مع تحديد ما يكتسب منها المتعلم بالتعليم الأساسي وما يكتسبه بالتعليم الثانوي.
أما الملامح المتصلة بالأبعاد الشخصية فنذكر منها: أن يكون المتعلم معتزا بانتمائه إلى تونس ومعتزا بذاته حريصا على صيانتها والمحافظة عليها ،واثقا بنفسه ، مستقلا فكرا وممارسة ،جريئا في سلوكه ومواقفه تواقا إلى التفوق والامتياز قادرا على الاجتهاد ومتحفزا دائما إلى التجديد قادرا على التفاعل الايجابي مع محيطه القريب والبعيد( انظر هذا مفصلا في الوثيقة الأصلية).
أما الملامح المتعلقة بالأبعاد المدنية فنذكر منها: أن يكون المتعلم متجذرا في هويته العربية الإسلامية قادرا على العيش مع الآخرين متضامنا مع غيره متسامحا معه فكرا وسلوكا محترما لكل ما هو مخالف و محترما للقانون والقواعد المنظمة للحياة الجماعية، نزيها قابلا للنقد بصدر رحب متحليا بروح المسؤولية مقدسا للعمل حريصا على إتقان ما يقوم به.
أما الملامح المتصلة بالأبعاد المعرفية والثقافية فنذكر منها: أن يكون المتعلم واسع الاطلاع على المعارف مؤهلا للتعلم مدى الحياة متملكا للكفايات التي تقيه الارتداد للأمية بعد مغادرة المدرسة قادرا على التعبير عن حاجياته المختلفة وعلى التواصل مع غيره والتحاور معه حجاجا ونقدا وبرهنة ، وأن يكون ذا حس فني وجمالي ،خصب الخيال متفتحا على الثقافات الأخرى أخذا وعطاء.
أما الملامح المتعلقة بالأبعاد العملية فنذكر منها : أن يكون المتعلم قادرا على توظيف مكتسباته في وضعيات مختلفة متكيفا مع المتغيرات متحليا بطاقة عليا للاجتهاد والخلق والابتكار.

وفي الجملة فإن المطلوب من التلميذ التونسي  أوان تخرجه من المعهد الثانوي أن يكون قد اكتسب عادة التفكير الإيجابي وقبول المخاطرة وتعميق مفهوم المشاركة وأصبح متحليا بأقصى درجات المرونة وسرعة التفكير وقابلية التكيف وانغرست في ذاته روح التجريب وعدم توهم البساطة الظاهرة والتعامل الحازم والمرن مع المفاجآت وما هو منتظر وما هو غير منتظر، بعبارة أخرى أن يغادر المدرسة وقد تعود على طرح الأسئلة لأن صوغ الأسئلة صار اليوم أهم من توفير الأجوبة.
هذا هو المعيار الثاني الذي اعتمد في بناء البرامج الجديدة ، فهو ليس سردا لقائمة من المواد الدراسية ستدرس ، وإنما هو غائيات تربوية غير محايدة من الناحية الإيديولوجية ، ينبغي أن تترجم عمليا إلى كفايات أي إلى جملة من المحتويات والقدرات يكسبها التلاميذ بالتدريج عبر المراحل التعليمية المختلفة.

الباب الثالث : الكفايات الأفقية
حددت في هذا الباب لجنة برنامج البرامج الكفايات الأفقية التي تتعاون جميع المواد في مختلف الاختصاصات على إكسابها المتعلمين وهي ثماني كفايات نختصرها في النقاط التالية:
* تعبير المتعلم عن حاجياته بالطرائق الملائمة من أجل التواصل وذلك بحذق اللغات ومختلف الأنظمة الإعلامية وحسن تقدير المقامات من أجل تواصل ناجح.
* استثمار المعطيات وذلك بالعودة إلى مصادرها وحسن معالجتها وتوظيفها في المشاريع المدرسية وغير المدرسية.
*توخي منهجية عمل ناجعة  وذلك بالقدرة على تحليل المهام وحسن التخطيط وإحكام التمشيات وتحديد الوسائل والآجال وإدراك المنتوج المنتظر.
* توظيف التكنولوجيات الحديثة وذلك باستعمالها أداة في العمل واعتمادها مصدرا من مصادر المعلومة.
*إنجاز مشروع ويعني ذلك تصور المتعلم لمشروع ما فيقدر على التخطيط له و الإقبال عليه مرحليا والوقوف على صعوبات انجازه وكيفية تجاوزها حتى ادراك المقصد منه

* حل المسائل ويقصد به القدرة على فهم سياق المشكل وتحديد مكوناته وضبط التمشيات الملائمة لحلّه.
* توظيف التواصل للعيش مع الآخرين والعمل معهم وذلك بالتحلي بروح المشاركة ومقتضياتها الأخلاقية كالاعتزاز بالنفس واحترام الآخر والتعاون معه وتثمين العمل الجماعي وتدارك كل ما يمكن أن يعطل العمل التشاركي.
* ممارسة الفكر التقدي وذلك بإخضاع الآراء والأحكام لمحك النقد الموضوعي النزيه فيفكك الموضوع إلى عناصره ويقع إرجاعه إلى مراجعه والتيارات التي ينتمي إليها فتقيم بمحك العقل ويتم تسطير المواقف والأحكام في شأن.
هذا هو المعيار الثالث وهو معيار يدعو إلى بناء البرامج على أساس قاعدة رئيسية أولى هي تظافر المواد في الاختصاصات المختلفة لتحقيق الكفايات المشار إليها آنفا لأنها تعدّ في نظرنا الكفايات التي تظل تبنى طيلة حياة الفرد والمؤهلات التي بها يواصل التعلم مدى الحياة العملية في المجتمع ، إنها ما يبقى بعد أن ينسى الإنسان كل شيء

لجان مجالات التعلم
هي لجان مؤلفة من بعض أهل الذكر في اختصاصات متآلفة متقاربة مدعومة بأعضاء لجنة برنامج البرامج وهذه المجالات هي اللغات - الاجتماعيات- الفنون- العلوم - التكنولوجيات.
ومهمة هذه اللجان بناء محتويات البرامج في مرحلة أولى على قاعدة مجالات التعلم في صلة متينة بالكفايات الأفقية التي تم ضبطها  علما وأن كفايات مجالات التعلم ليست كفايات أفقية ولكنها كفايات أقرب إلى القدرات المنهجية التي تشترك فيها مواد المجال الواحد (كالقراءة والكتابة والمشافهة التي تعدّ من الكفايات الخاصة بمجال اللغات)

إن في بناء البرامج في مرحلة أولى على أساس مجالات كبرى للتعلم إيجابيات كثيرة ، فهي تجنب واضعي البرامج خلافات وصراعات من أجل رغبة كل طرف في الرفع من قيمة اختصاصه وتسمح بإدراك وجوه تكامل مواد المجال الواحد في معالجة المسائل المقترحة ، بل وتسمح في أحيان كثيرة بتحقيق الإدماج بين عدة مواد بسهولة ونجاعة، مثلما تسمح لمتصوري البرامج بتعليل اختياراتهم بصفة مقنعة وبيان منزلة كل تعلم بين التعلمات المختارة وزاوية النظر التي سيقع اعتمادها في مقاربته.
إن بناء البرامج وفق منظور المجالات مكّن جميع الأطراف التربوية والتي تهتم بالشأن التربوي عموما من رؤية تأليفية لمجموعات الاختصاصات المختلفة ما كان لهم إدراكها لو لا هذا التمشي.
لجان البرامج
هي لجان فرعية تتكون من متفقدي التعليم الأساسي و التعليم الثانوي، عدد أعضاء كل لجنة يتراوح بين ستة وعشرة  أعضاء يجتمعون بصفة دورية في العطل المدرسية وحتى خارج العطل المدرسية لبناء البرامج في اتجاهين رئيسيين هما:
* ماذا نعلّم ؟ ( المعارف العلمية والمعارف المنهجية)
* كيف نعلّم؟ ( التمشيات والمقاربات)
تعمل كل لجنة على الإجابة عن هذين السؤالين باعتماد وثيقة برنامج البرامج ووثيقة مجالات التعلم والمنطلقات الفنية والتقنية الخاصة ببناء البرامج مع حرص شديد على التشاور الدوري بين مختلف اللجان اجتنابا لتكرار بعض المسائل وتحقيقا للاستفادة المتبادلة مما تنجزه كل لجنة.
طريقة العمل
مقدمة : مفهوم البرنامج أو المنهاج التربوي
يمكن تعريف البرنامج أو المنهاج التربوي بأنه مجموعة متسقة ومنظمة من الأهداف والأنشطة والموارد تنتقى وتصاغ على أساس حاجيات اقتضاها السياق المعيش أوقدّرتها طاقة استشراف المستقبل.
إن هذا التعريف يوحي بأن عملية بناء برنامج تربوي تتم وفق مراحل معينة وفي ضوء معايير محددة بدقة مثلما يشير هذا التعريف بأن البرنامج التربوي لا يبنى إلا بالاعتماد على حاجيات مضبوطة مسبقا وعلى أهداف وغائيات في ضوئها جميعا يتم اختيار المحتويات والأنشطة والوسائل التعليمية وتتحد الموارد البشرية والمالية.
وبما أن كل برنامج يبنى في سياق اقتصادي واجتماعي محدد وجب الأخذ بعين الاعتبار الإمكانيات المتاحة لإنجاز هذا البرنامج وذلك ليقع التوفيق بين المطامح والإمكانيات من جهة ويقع  تقديم الأهم  على المهم أي ضبط الأولويات في هذا البرنامج من جهة ثانية ولا يمكن ضبط الأولويات إلا بعد تحليل الحاجيات ، فإذا لم تتحدد الحاجيات بدقة ولم تحلل بمنهجية وصرامة ووضوح فإن البرنامج يفقد مغزاه وتنعدم جدواه.
على أنه لا بد من ملاحظة مهمة نسوقها في هذا الصدد وهي أن كل برنامج يبنى لا يمكن أن يعدّ برنامجا نهائيا ومغلقا غير قابل لأي تغيير أو تعديل بل على العكس من ذلك ، فإن وضع هذا البرنامج حيز التطبيق مدة معينة سيكشف بجلاء بعض النقائص في المضامين أو التمشيات أو بعض الصعوبات في التطبيق الأمر الذي يستدعي التدخل والتدارك. بل إن التطبيق قد يكشف حاجيات جديدة أو يستدعي إعادة تقدير لحاجيات تم ضبطها في المراحل الأولى.

إن وضع بعض الحاجيات محل سؤال واستنطاق البرنامج حولها من شانه أن يحمل على التفكير في مدى نجاعة بعض المفردات في هذا البرنامج وماهية الخطة العملية التي اتبعت في بناء البرامج التربوية التونسية في مختلف الاختصاصات.
المرحلة الأولى:
ينظر أعضاء اللجان في القانون التربوي مليا ويمعنون النظر في بنوده بندا بندا ويقفون على مقاصده القريبة والبعيدة ويقرؤون جيدا الخطة التنفيذية ليتعرفوا إلى الطرائق العملية في تنفيذ بنود القانون وما يتصل بها من برامج ثم يقرؤون مليا وثيقة برنامج البرامج ووثيقة مجالات التعلم المشار إليهما آنفا ثم يدرسون جيدا المنطلقات الفنية والتقنية المساعدة على بناء كل برنامج وهذه المنطلقات هي التالية.
من القواعد الفنية والتقنية لبناء برنامج
يبنى كل برنامج على الأركان التالية:
- الأهداف العامة للمادة
- الأهداف الخاصة بكل فرع من فروع المادة،
- محتوى البرنامج وهو مبوب إلى أربعة أبواب هي:
* عناوين المسائل المقترحة للدراسة ونسميها(محاور)
* الأهداف المميزة لكل محور
* السندات التي ستعتمد في معالجة المسائل المقترحة.
*التوجيهات البيداغوجية
الأهداف العامة للمادة
المقصود بالأهداف العامة للمادة بيان منزلة المادة في المنظومة التربوية وموقع هذه المادة بين بقية المواد والمقاصد التربوية التي يرمي إليها تدريس هذه المادة وهي مقاصد ذهنية ووجدانية وسلوكية ومهارية.
وتذيل هذه الأهداف بأصناف التعلمات التي تتكون منها هذه المادة مثال ذلك تتكون مادة العربية من:
الأدب/الانتاج الكتابي/ اللغة والبلاغة/ التواصل الشفوي /المحفوظات والمطالعة.
تحدد الأهداف العامة للمادة في كل اختصاص وتصاغ صياغة دقيقة واضحة حسب كل مستوى أو كلّ سنة على أن تكون محتويات هذه الأهداف معرفية خالصة (انظر الأهداف العامة الثماني الخاصة بمادة العربية في برنامج السنة الأولى من التعليم الثانوي بالصفحة 7 من سفر البرامج).
الأهداف الخاصة بالفرع
المقصود بالأهداف الخاصة بكل فرع من فروع المادة أي بصنف من أصناف التعلمات بيان القدرات المستهدفة من المعارف الفرعية المؤلفة للمادة كقولك أهداف برنامج الأدب وأهداف برنامج اللغة وأهداف برنامج التواصل الشفوي أو الإنتاج الكتابي الخ... ( انظر الصفحة 8 من البرنامج) وأهداف المادة الفرعية تختلف عن الأهداف العامة للمادة  فإذا كانت الأهداف العامة تعنى بالمحتويات المشتركة التي ترمي إلى تحقيقها المادة بفروعها ،فإن الأهداف الفرعية تسطر المواضيع الفرعية المتصلة بالمسألة والقدرات التي سيسعى المدرس إلى إكسابها التلاميذ من خلال تدريس ذلك الفرع من فروع المادة، كقولك : أداء النص أداء سليما/بناء معنى النص/تقييم النص مبنى ومعنى إلى غير ذلك.
محتوى البرنامج
محتوى البرنامج يتألف من أربعة أركان ترسم لوحة من أربعة أودية عناوينها هي التالية:
المحاور: وهي المواضيع أو المسائل التي سيدرسها التلميذ
الأهداف المميزة: ويقصد بها مراكز الاهتمام الفرعية المؤلفة للمسألة  والقدرات المتصلة بها ( انظر ص 9 من برنامج العربية).
السندات:ويقصد بها أنواع الوثائق التي ستعتمد في دراسة المسألة  المبرمجة( شعراء، أدباء،آثار أدبية...)
التوجيهات: وهي عبارة عن توضيحات وتدقيقات تساعد المدرس على كيفية تناول المسالة أو تنبهه إلى تمش بعينه في تناول تلك المسألة وتذكره بمكتسبات التلميذ في ذلك الموضوع أو تدعوه إلى تجنب بعض التفاصيل فيه لسبب من الأسباب أو تشير إلى بعض الوسائل التعليمية التي يمكن اعتمادها.
ومما توصي به هذه الوثيقة الفنية بكل صرامة ما يلي:
بالنسبة إلى المحاور ومحتواها أي المسائل وسنداتها المتصلة بها
1) أن تكون :
- على صلة مباشرة بالأهداف المميزة التي تم تسطيرها
- مستندة إلى مكتسبات المتعلمين
- مثيرة لاهتماماتهم وشواغلهم
- ملائمة لمستوى المتعلمين مستجيبة لانتظاراتهم
- محينة ميسورة التناول وضرورية لتكوين المتعلم
- مساعدة على فتح الآفاق الذهنية وتنمية المخيلة لدى المتعلم
- متدرجة متنامية في كل مرحلة من مراحل التعلم
- مراعية للسياق الاجتماعي والثقافي الذي تمر به البلاد.

2) أن لا يشوبها لبس أو يحيط بها جدل أو شك.
3) أن تضمن التواصل بين المتعلمين.
4) أن تأخذ بعين الاعتبار المعارف المعلوماتية وطرائق توظيفها.
وأما بالنسبة إلى الأهداف النوعية أو المميزة فتوصي الوثيقة بــــــ:
1) أن تكون :
- أساسا من أسس بناء البرنامج
- قابلة للتحقيق
- ملائمة لمستوى المتعلمين المعنيين بالبرنامج
- في تناغم وانسجام مع الأهداف العامة للبرنامج
- مساعدة على تصميم الدروس وعلى بنائها بإحكام
- مصوغة صياغة واضحة جلية وذات مقروئية دقيقة بعيدة عن كل تأويل لأن هذه الأهداف والقدرات تساعد كثيرا على إعداد توزيعية العمل وتصميم الحصص وتزمين كل حصة.
2) أن تغطي الأهداف المميزة ما هو معرفي وما هو وجداني وما هو حسي حركي فتنص على المحتوى المعرفي المقصود وعلى المشاعر المراد تهذيبها في المتعلم والمهارات النفسية الحركية المطلوب إكسابها إياه.
3) أن تكون مصوغة صياغة واقعية أي يذكر فيها حجم التوقيت المخصص لها والوسائل التعليمية المتاحة.
4) أن تأخذ بعين الاعتبار القدرات التي اكتسبها المتعلمون في مراحل سابقة.
5) أن تصب هذه الاهداف وما يتصل بها من القدرات والمهارات في الغائيات التربوية العليا لأنها هي المنطلق وهي المآب في كل اختيار تربوي وهذه الغائيات هي المسطرة في القانون التوجيهي (2002)
6)أن يؤخذ بعين الاعتبار الوقت المخصص لكل فرع من فروع المادة بل والتوقيت المخصص لكل محور من محاور هذا الفرع أو ذاك.
7) أن يؤخذ بعين الاعتبار عند بناء الأهداف وما يتصل بها من قدرات ومهارات وحجم التوقيت المخصص  لكل مستوى تعليمي (جملة الحصص الأسبوعية) وحجم المسائل المسطرة في البرامج  الأخرى والتي تهم مستوى تعليمي بعينه حرصا على التوازن بين المواد واجتنابا لإثقال كاهل التلميذ أو تكرار بعض المسائل.
على هذا الأساس تتدبر اللجان مادة العمل في نطاق الاختصاص الواحد ثم في نطاق المجال التعلمي.


إبراهيم بن صالح متفقد عام للتربية

الشارقة - الإمارات العربية المتحدة - 17/19 سبتمبر 2006




[1] ALECSO - Arab League Educational, Cultural and Scientific
[2] ISESCO Islamic Educational, Scientific and Cultural Organization

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire