|
"خلافا
لما يروّج عن بطاقة النّتائج المدرسيّة من صفات العلميّة والكونيّة والحياد، فهي
في الواقع ليست منفصلة عن المجتمع وما يعتمل فيه من صراعات المصالح. فهي مكرّسة
لخدمة الطّبقة السّائدة والنّوع الذكوري."
د.م.بسباس * |
تحليل بنية بطاقة النّتائج المدرسيّة المعتمدة في
تونس بوصفها سليلة النسخة الأصليّة الفرنسيّة
في هذا الصّدد سنحاول الإجابة على ثلاثة أسئلة
توجيهيّة
·
هل
هناك منطق تنتظم وفقه مكوّنات معمار بطاقة النّتائج المدرسيّة المتداولة حاليّا ؟
·
هل
تنمّ تعليقات المدرّسين المتضمّنة في بطاقة النّتائج عن ذات فرديّة تعبّر وتفكّر
أم هو خطاب منمّطّ ومكرّر يأخذه اللاّحق عن السّابق ؟
·
ما
هي النّقاط التّمريريّة (أي المقاصد) Point illocutoire السّائدة في الخطاب الذي
تحمله بطاقة النّتائج
-1 - بالنّسبة
للإجابة على السّؤال الأوّل : هل
هناك منطق تنتظم وفقه مكوّنات معمار بطاقة النّتائج المدرسيّة المتداولة في نسختها
اللّيبراليّة الرّأسماليّة ؟
نسوق كفرضيّة عمل ما يلي : إنّ بطاقة النّتائج
المدرسيّة المتداولة تتشكّل من عناصر مرتّبة ترتيبا منطقيّا لتفي بوظيفة حجاجيّة
إقناعيّة للوصول إلى موافقة مسوّغة للقرارات والأحكام المدرسيّة.
للإجابة عن هذا السؤال قام الباحث في خطوة أولى
برصد المؤشّرات الحجاجيّة الإقناعيّة في هندسة معمار بطاقة النّتائج المدرسيّة
وذلك من خلال تحليلها إلى عناصرها الأوّلية وتحديد موضع كل عنصر في معمارها
واستنطاق ترتيبها وتسلسلها والمنطق الذي تنتظم فيه.
تتكوّن بطاقة النّتائج المدرسيّة في نسختها
الليبراليّة الرأسماليّة المتداولة في تونس والمتاحة عبر الأنترنات في نسخة
إلكترونيّة تسمى منظومة Eduserv وفي المنصة التي
دخلت حيز التطبيق خلال السنة الدّراسيّة 2023-2024، من ثمانيّة فضاءات إحداها
مفتوح وسبعة فضاءات مغلقة لها مساحات مختلفة وكلّ فضاء مسوّر ويظهر في شكل جدول
يحمل عنوانا يشير لما يحويه : بيانات رقميّة وأخرى لغويّة وأختام رسميّة. كلّ
المساحات مقدّرة بعناية من طرف مصمّمي بطاقة النّتائج ولها بنية ونظام ودلالات.
فإن كانت واسعة أو ضيقة صغيرة أو كبيرة متّصلة أو منفصلة مفتوحة أو مغلقة فارغة أو
مليئة فهي تلعب دورا ما في المسار الحجاجي. كما أنّ لها ترتيب في تقديم المعلومات
وتوجّه في العبور من فضاء إلى آخر عموديّا و أفقيّا يخدم غرض الحجاج والإقناع.
تبلغ المساحة الجمليّة لبطاقة النّتائج المدرسيّة
للسّداسي الثّاني المعتمدة حاليّا 619.5 صم مربّع ولا يستغلّ منها إلاّ 437.59 صم
مربع بفارق 181.91 صم مربّع تركت مساحة
بيضاء. فالمساحة البيضاء توحي لدى المتلقّي بأنّه لم يبق شيء يمكن أن يقال
في مضمار النّتائج وليس هناك ما يدعو لمزيد التّوضيح لما هو واضح وجلي. فهي بمنزلة
الصمت في مقام التّواصل بالكلام.
إنّ تفاوت المساحات الموزّعة بين عناصر معمار
بطاقة النّتائج يعكس تصوّرا حول منزلة كل عنصر في مسار الإقناع. ويلاحظ أنّ
المساحة المخصّصة للأرقام تحتلّ الحيز الأكبر في بنية بطاقة النّتائج وتمثّل ركنا
رئيسيّا باعتبار أنّ الرّقم بمنزلة المعيار الموضوعي الأوحد المرتبط تقليديّا
وتداوليّا باليقين والواقعيّة الذي لا يتسرّب إليه الشّك حسب الاعتقادات المترسّخة
في عقليّة المتلقّي. بينما التّعليقات واسم الأستاذ وإمضاءه لم تتجاوز 68.25 صم
مربّع ما يعني أنّها لم تحظ بمساحة مناسبة وظلّت هامشيّة. وتبلغ المساحة لكلّ مادة واحدة منفردة
للتّعليق مرفوقة باسم الأستاذ وإمضائه
3.25 صم مربّع ما يعني أنّها لا تتّسع إلا لكلمة واحدة.
وفي أسفل البطاقة يتحوّل اتّجاه قراءة النّتائج
أفقيا حيث نجد جدولا يلخّص نتائج الثلاثي
والمعطيات حول العقوبات ثمّ المواظبة وتبلغ مساحته الجمليّة 62.4 صم مربّع.
وفي نفس الاتّجاه نجد مكانا مخصّصا لقرار مجلس القسم وإمضاء المدير وختم المعهد
خصص له مساحة جمليّة قدرها 28 صم مربّع.
2- ترتيب الوحدات المكوّنة لبطاقة النّتائج
المدرسيّة وإعادة تركيب بنيتها المجرّدة
الوحدات المكوّنة لبطاقة النّتائج موصولا ما بينها وصلا منطقيّا خدمة لمشروع الإقناع. بعضها يشتغل كحجج والآخر كنتيجة. لقد بدا واضحا من خلال مؤشرات تصميم معمار بطاقة النّتائج وترتيب أقوالها وتسلسل وحداتها التّكوينيّة وتكاملها أنّها تنبني على مكون حجاجي وأنّنا إزاء حجاج النّتيجة. فهي تتضمّن بيانات رقميّة وأقوالا وتراتبيّة حجاجية (سلّم حجاجي) كما أنّها تشتمل على روابط مضمرة بين الحجج والنّتيجة مثل (لام التعليل ولأنّ وإذن) وهي مضمرة تستنتج من السّياق. وفي التّالي رسم بياني مجرّد لبنية الحجاج المستخدم.
رسم توضيحي رقم 1 للبنية الحجاجية المجرّدة لبطاقة النّتائج المدرسيّة
يتّضح من الرّسم رقم 1 أنّ السّلم الحجاجي الإقناعي لبطاقة النّتائج المدرسيّة يتكوّن من عدّة أقوال (ق1، ق2، ق 3، ق4، ق5...) متفاوتة القوّة الحجاجيّة (حسب ضارب المادة). وتشتغل هذه الأقوال كحجج تفضي إلى نتيجة (ن) أي قرار مجلس القسم. وتصل الأقوال بعضها ببعض روابط مضمرة حيث تقرأ النّتائج التي تشتغل كحجّة تباعا على نحو عمودي مرتبطة بعلاقة التّتابع والعطف بشكل ضمني ثمّ يتغيّر اتّجاه القراءة وتتحوّل إلى ما يشبه المعادلة الرّياضّية حيث تقرأ أفقيا فنجد حوصلة للمجموع العام للدّرجات وللمعدّل العام والرّتبة والعقوبات والمواظبة وجميعها يتّجه صوب النّتيجة أي (قرار مجلس القسم). نستنتج من كلّ هذا أنّ الوظيفة الحجاجية تحدّد نظام معمار بطاقة النّتائج المدرسيّة.
وفي سياق تحليل البنية الحجاجيّة يهمّنا أن نعرف
خصائص ووظائف التّعليقات بوصفها مكوّنا
لغويّا يفترض به أن يحظى بأهميّة في مسار الحجاج الاقناعي.
3- هل تنمّ تعليقات المربّين عن ذات فرديّة
تعبّر وتفكّر أم هل هي خطابا منمّطّا
ومكرورا يأخذه اللاّحق عن السّابق؟
نشتغل هنا على
فرضيّة مفادها أنّ التّعليقات على النّتائج مكرّرة ومنمّطة وموروثة جيلا عن جيل لا
تنمّ عن ذات فرديّة مبدعة لخطابها وبالتّالي فإنّ المؤسّسة هي التي تحدّد الخطاب
وترسم تخومه وأشكاله ومضامينه وسننه. للغرض قمنا بتحليل شكل ومضمون عيّنة مكوّنة
من 968 تعليقا استخرجناها من بطاقات النّتائج المدرسيّة المقايسة والمستخدمة في
التّعليم الثّانوي.
جدول
رقم 2 : التّوزيع التّكراري والنّسبة المئويّة لأشكال التّعليقات ومضامينها
|
أشكال التعليقات ومضامينها |
أمثلة من
التعليقات
نتائج ضعيفة كسول لا يعمل مشوش التفكير وضعه الاجتماعي
الصعب أثر في أدائه
عديم المشاركة سلوك غير مقبول |
التكرارات |
النسبة المئوية |
|
بالنسبة للشكل
المبسط |
|
||
|
التعليقات التي
تحاكي الدرجة |
422 |
43.60 |
|
|
التعليقات
المرتبطة بالعمل |
109 |
11.26 |
|
|
التعليقات حول
الاشتغال الذهني |
40 |
4.13 |
|
|
التعليقات حول
الخصائص الإجتماعية أو الصحية |
8 |
0.82 |
|
|
التعليقات حول
المشاركة في الدرس |
66 |
6.21 |
|
|
التعليقات حول
السلوك |
48 |
4,95 |
|
|
مجموع التعليقات
ذات الشكل المبسط |
693 |
71.60 |
|
|
بالنسبة للشكل
المركب |
نتائج ضعيفة لا
يعمل
نتائج متوسطة
كثير التشويش
نتائج مقبولة لا
يشارك
نتائج متوسطة
ينقصه التركيز
|
|
|
|
التعليقات التي
تتماهى مع الدرجة متممة بتعليق حول العمل |
93
|
9.60 |
|
|
التعليقات التي
تتماهى مع الدرجة متممة بتعليق حول السلوك |
61 |
6.30 |
|
|
التعليقات
المتماهية مع الدرجة مشفوعة بتعليق حول المشاركة في الدرس |
70 |
7.23 |
|
|
التعليقات
المتماهية مع الدرجة مشفوعة بملاحظة حول الاشتغال الذهني |
36 |
3.72 |
|
|
متفرقات |
15 |
1.54 |
|
|
مجموع التعليقات
ذات الشكل المركب |
275 |
28.40 |
|
|
المجموع العام
(الشكل المبسط والمركب) |
968 |
100 |
|
يتبيّن من الجدول
رقم 2 أنّ التّعليقات على النّتائج تأخذ شكلين: بسيطا ومركبا
· الشّكل البسيط وهو الغالب حيث تستعمل فيه- على نطاق واسع- عبارات
تترجم الدّرجة الرّقميّة، أي تعكس -على مستوى اللّفظ-،
المحتوى الرّقمي للدّرجة التّي تحصّل عليها التّلميذ في ما أنجزه من اختبارات
كتابيّة وشفويّة من قبيل "ضعيف" لمن تحصّل على درجة متدنيّة و"متوسّط"
لمن قربت نتائجه من المعدّل الحسابي،
و"ممتاز" للمتفوّق، وغير ذلك من تعليقات مطروحة للتّداول يوزّعها
المربّون بشكل دوري على التلاميذ في نهاية كل ثلاثيّة. والهدف منها منح حجّة العدد
(الدّرجة) مزيد من القوّة الحجاجية لتبرير القرارات المتّخذة بشأن التّلميذ.
· أمّا التّعليقات ذات الشّكل المركّب
فهي قليلة بحكم ضيق المساحة المخصّصة للتّعليق في بطاقة النّتائج. ونعني بالمركّب
أنّ التّعليق يتكوّن من جزأين : غالبا ما يترجم
الجزء الأوّل الدّرجة المتحصّل عليها و الجزء الثّاني يشير إلى العمل أو السلوك أو المشاركة
في الدرس أو الاشتغال الذّهني.
يتأكّد
من هذا التحليل أنّ التّعليقات ليس لها قيمة مضافة، فاقدة لمظاهر الإبداع والفرادة وهذا
يتطابق مع ما ذهب إليه بيار بورديو أنّ الخطاب الذي يفرضه الحقل مؤسّسي منفصل عن
الذّات المتكلّمة.
رغم
بساطتها ونمطيّتها وسيطرة المألوف المستبطن عليها لا يمكن من وجهة نظر تواصليّة
اعتبار التّعليقات خاوية من المعنى
والقصديّة، بل كما أبرزت كلّ من نظريّة التّواصل وفلسفة اللّغة في توجهها
البراغماتي أنّها تشكّل خطابا يحمل رسالة ذات مقصد عيّنته المؤسّسة وينتج عنه
تأثيرا وحدثا وبالتّالي فإنّ الأمر يستدعي توجيه العناية إلى استجلاء
المقاصد الثّاوية في ثنايا أفعال الكلام بوصفها عاملا موجها لشكل الخطاب وهو ما
سنعالجه الآن.
4- ما
هي النّقاط التّمريريّة أي المقاصد
السّائدة في تعليقات المدرّسين على نتائج التّلاميذ استنادا إلى تصنيفات جون أستين [1](16) و جون سيرل[2]
(17)؟
ونذهب
هنا إلى افتراض احتمال أن تعكس النّقاط التّمريريّة التي تضمّنتها تعليقات المربّين على
نتائج التّلاميذ هاجس إخباري وإقناعي أكثر
ممّا هو تفسير وتعليل للنّتائج وتطوير المكتسبات.
سنتبيّن في التّالي
توزيع التّعليقات على الخمسة نقاط تمريريّة التي حدّدها سيرل وأستين لأفعال الكلام
وهي خمسة مقاصد التاليّة : (جون سارل، 1982)
.
· فعال التّقييميّة التّصريحيّة : /déclaratits
Verbes verdictifs
· الأفعال التعهّديّة أو الإلزاميّة :commissifs Verbes promissifs /
· الأفعال التّعبيريّة:Verbes expressifs
· الأفعال الأفعال التّوجيهيّة: /directifs
Verbes
exercitifs
· الأفعال البيانيّة أو الاثباتيّة : /assertifs Verbes expositifs
الجدول رقم 3 : توزّع مضامين التّعليقات وفق المقاصد في
تصنيف جون أستين وجون سرل
|
النقطة التمريرية |
القصد |
مثال نمطي |
التكرار |
|
توجيهيّة |
تطويع المتلقي
وجعله يتصرف على نحو مطابق مع الخطاب التوجيهي المستند إلى اللوائح المدرسية |
"عليه
بالاتزان". عليه بالعمل
المنتظم أدعوه لمراجعة
سلوكه |
284 |
|
إلزاميّة |
الدعوة إلى
الاستجابة إلى محتوى الخطاب |
عليه الالتزام
بالتّراتيب لتجنب العقوبات. |
173 |
|
التعبيريّة |
يعبّر الفعل
الكلامي عن مشاعر: استحسان أو شجب |
"نتائج
مقبولة أشكره". تراجع مؤسف للنتائج إلخ.. |
79 |
|
البيانيّة أو
الإثباتيّة |
تحميل المتكلم
نظرا لمكانته في المنظومة مسؤوليته في صحة كل ما سيصدر عنه من أقوال أو أحكام |
نتائجه ضعيفة أو متوسطة أو ممتازة إلخ... |
515 |
|
التصريحيّة |
-إصدار حكم معلل حجته
القانون -التعبير عن حصول
تغيير في الوضعية |
"يرفت لضعف
نتائجه وتجاوزه السن القانونية". أو يرتقي إلى
المستوى الموالي. |
968 |
يظهر من هذا الجدول الإحصائي أنّ التّعليقات ذات المضمون
التّصريحي هي الأكثر تكرارا ومن هنا ندرك أنّ الغاية المقصودة من التّقييم ليس
التّشخيص أو التّكوين بل الجزاء.
يلي
ذلك التعليقات الإثباتية - البيانيّة التي تتجلّى في أنّ أغلب التّعليقات على النّتائج تترجم الدّرجة
المتحصّل عليها لتعزّز مكانة العدد وتمنحه قوّة حجاجيّة. وترمي كثرة اللّجوء لمثل
ذلك التعليق لتثبيت وترسيخ قاعدة مفادها أن القرارات المتّخذة في شأن التّلميذ
سواء تعلّق الأمر بالارتقاء من مستوى إلى مستوى أعلى أو بالتّوجيه إلى المسالك
المهنيّة ليس اعتباطيّا بل ينمّ على استحقاق مرتبط بمعيار الدّرجة المتحصّل عليها.
هنا توظّف الدّرجة المتحصّل عليها في الاختبار لإخفاء الأساليب الإملائية المعتمدة
في اتّخاذ القرار خاصة في ما يتعلق بالتّوجيه إلى الفروع الدّراسيّة. وهذا يتّفق
مع ما ذهب إليه بودلو وأستبلاي[3] Baudelot,C et Establet,R,في
أنّ المدرسة تقسّم التلاميذ.
ثم تأتي في المرتبة الثّالثة التّعليقات
التّوجيهيّة التي تأمر وتنهى وتكمن وظيفتها
الحقيقية في المحافظة داخل المؤسّسة التّربويّة وتاليا داخل المجتمع على ثنائيّة
المباح والممنوع. ويسود هذا الخطاب المنظور الأحادي لكونه يصدر عن جهة
واحدة إذ على المتلقّي تقبّل الخطاب والقرار والصمت. ويعدّ هذا السّلوك تجلّيا من
تجلّيات القوّة يؤسّس لسلوك اجتماعي يقبل بالاملاءات والحكم الفردي ويضمن استمرار
العلاقة القوّة والهيمنة وتشريعها.
وتأتي في المرتبة الرّابعة التّعليقات الإلزامية وفيها حرص على
وجوب احترام المواثيق والقوانين المدرسيّة دون تفاوض مسبق بشأنها، وهي بهذا المعنى
استبداديّة لأنها تصدر عن طرف واحد وتميل إلى أن
تكون محافظة تقاوم التّغيير والإبداع وتحضّ على الإذعان.
وأخيرا وردت بتواتر ضعيف النّقطة التّمريريّة
التّعبيريّة التي تتضمّن التّعبير عن المشاعر بوجهيها الايجابي والسّلبي :
الثّناء أو التقريع. وفي هذا أكثر من معنى وربّما أهمّها العمل على توصيل رسالة
مفادها أنّها وثيقة علميّة مجرّدة من المشاعر تترك النّتائج تتحدّث عن نفسها.
المحصلة، فإنّ
النّقاط التّمريريّة التي تضمنتها تعليقات المربّين على نتائج التّلاميذ تندرج ضمن
الاستراتيجيّة الاقناعيّة. فهي بعيدة كلّ البعد عن الأغراض التّكوينيّة
والتّطويريّة. تتّسم بشكل كبير بالأحاديّة وتنمّ عن نزعة إدماجية وسلطويّة تدفع
باتجاه الإخضاع والقبول بالأمر الواقع ولها بعد رقابي على سلوك التّلاميذ. وهذا
يتّفق مع ما ذهب إليه ميشال فكو في معرض حديثه عن مساهمة المؤسّسة التعليميّة من
خلال الخطاب في تكوين علاقات السّلطة والهيمنة وتشريعها.
5- ما هي
إجراءات التّصديق التي تنطوي عليها بطاقة النّتائج المدرسيّة لإقناع المخاطب وكسب
تأييده لانتزاع اعترافه بشرعيّة الأحكام المدرسيّة ؟
تشتمل بطاقة النّتائج المدرسيّة في نسختها الليبراليّة على عدّة أشكال
التّصديق المعمول بها في حقول معرفيّة مختلفة مثل : العلوم التجريبيّة والعلوم
القانونيّة. وفي ما يلي أهمّ أشكال التصديق المستخدمة
1_ تقديس العدد المقترن باليقين والموضوعية
2_ ادّعاء العالميّة :إن الانتشار العالمي للنموذج يقدم كبرهان
مباشر على صدقيته، حيث كلّما ازداد حجم العاملين به تتصاعد معها صدقيته إلى مستوى
اليقين.
3_ ادّعاء العلميّة
يتمثل هذا الإدّعاء في التّشبّه بالتّقرير العلمي حيث تعتمد اسلوب العرض وتترك
النّتائج تتحدّث عن نفسها.
4_ الاستثمار في مناهج العلوم التّجريبية
من خلال محاكاة المنهج التّجريبي الوصفي للعلوم الطّبيعية السائد في القرن التّاسع
عشر والذي يلتزم بنتائج الاختبارات ولا
يذهب إلى ما أبعد من نتائج تلك التّجارب.
5_ الاستثمار في المنطق
الصّوري بشكل مضمر يتمثل في الربط بين المقدّمات والنّتائج من مثل من زرع حصد، من عمل
نجح، يوم الامتحان يكرم المرء أو يهان.
6_ استغلال
قاعدة المساواة أي يعاملهم معاملة مماثلة فكلّ ما يطبّق على(أ) فهو صالح ل(ب)
7_ تأسيس نظام قانوني أشبه ما يكون بما هو سائد في مجال القضاء
حيث يستند القاضي إلى الوقائع والقانون في إصدار أحكامه .
8_ توظيف بنيات بلاغيّة تبدو (لوغوسيّة)Logos محضة لإقاع التّصديق
9_ اعتماد الورقة لتبليغ
النتائج باعتبار أنّها تقليديّا الأكثر استعمالا في توثيق العقود والالتزامات
وتعتمد كشهادة يعتدّ بها لدى السّلط علاوة على استخدامها في حفظ الذّاكرة.
لقد لجأ مصممو بطاقة
النّتائج المدرسيّة إلى مثل تلك الاجراءات لإعطاء الذّرائع والمبرّرات لانتزاع
الاعتراف بشرعيّة الأحكام المدرسيّة والقبول بالحيف الاجتماعي والتّسامح معه
وإيهام أنّ المدرسة لا تميّز بين الطّلبة إلاّ بمقدار ما يتميّزون بمواهبهم وأنّ
القرارات والأحكام المتّخذة بشأن التّلميذ قد صنعت بأفضل الوسائل العلميّة.
6- هل بالإمكان
التأسيس لنموذج اتّصالي تفاعلي بديل يتوفّر على مقاسات جديدة تساير الحداثة وما
بعدها وتتجاوز مساوي النّموذج الحالي ؟
ومن منطلق قناعات الباحث بضرورة التّقييم وواجب إعلام الولي بالنّتائج
فإنّه يرى مخارج بديلة للنّموذج التّقليدي الذي تمّ توصيفه طبقا لمصطلحات الأبويّة
والأحاديّة والتّحكم والتّشيّؤ والتّبرير والإقناع والتّأثير والتّدافع ضمن علاقات
القوّة ووضع التلميذ ضمن تصنيف أو مقارنة .
نريد هنا توسيع مجال
الاختيارات الاتّصاليّة المتاحة للمربّين
باقتراح نموذج اتّصالي تفاعلي يرمي إلى إنتاج علاقة تتأسّس في وضع يعزّز من الشّراكة والتّفاهم
والمساواة والاحترام والتّقدير والإحاطة الممزوجة بالعطاء والتفهّم المتبادل بين
التلميذ والمربي حيث يولّد هذا المنظور نوعا من التقدير ويعزّز القيمة الفرديّة
ويؤكّد قدرة التّلاميذ على التّحكم في مصائرهم.
فالنّموذج الاتصالي التّفاعلي الذي نقترحه يمكّن
كلاّ من المربّي والتّلميذ من الإسهام في التّفكير في سبل تجاوز الصّعوبات من خلال
مناقشة بطريقة تبادليّة تؤدّي لإثراء خبرة التّلميذ في رسم استراتجيات النجاح
وبناء شخصيّة سويّة ومزدهرة. وفي الصّدد توفّر التكنولوجيات الاتّصاليّة الرّقميّة
امكانيات كبيرة لإرساء موقف اتّصالي تفاعلي ومن بين هذه الامكانيات نذكر التّالي :
1_ التّحكم في الكتابة : هناك مجال للتّحكّم عن طريق عمود
الأدوات
Barre d’outil في طريقة الكتابة واختيار
حجم الحروف (غليظ أو رقيق) والألوان
وبالتّالي يمكن الإشارة إلى مواطن الزّلل بألوان وأشكال مميّزة.
2_ التّحكّم في المساحات : المساحات الإلكترونية غير محدودة
يمكن التّحكم فيها حسب الحاجة.
3_قابليّة التّغيير والتّجديد والتّجريب والتّكيّف حيث أنّ
النّموذج التّقليدي الورقي مقايس وتغييره يستلزم تشغيل آليات بيروقراطية معقدة
بينما الصّيغة الإلكترونية تتمتّع
بقابليّة الانتقال بيسر من حالة الثّبات والتّقليد إلى حالة التّغيّر
والتّجديد والتّجريب وبالتّالي تخضع للتطوّر المستمرّ والتّكيّف مع متطلّبات
الوضع.
4_ تعدّد الوسائط: تتعدّد أنظمة العلامات التي يوظّفها
النّموذج الإلكتروني إذ يمكن تعضيد الخطاب بالرّسوم والأشكال الهندسيّة والصّوت
والصّورة.
5_الفوري والمباشر: الصّيغة الإلكترونية تتمتع بالفوريّة
والمباشر في الإعلام وبالتّالي تتيح إمكانيّة معالجة الزّلات قبل فوات الأوان.
6_ التّرابطيّة: النّموذج الرّقمي مفتوح حيث تنقلك الصّفحة
الواحدة إلى صفحات وروابط ومواقع افتراضيّة متعدّدة. وبالتّالي يمكن الانتقال
بواسطة الرّوابط إلى نصّ الاختبار ومحضر إصلاحه وإلى التّمارين التي تساعد
التّلميذ على تدعيم درجة التّملّك في المحاور التي لم يستوعبها.
تجدر الإشارة هنا بأنّ وزارة التربيّة قد وفّرت ضمن إستراتجيتها
الاتّصاليّة منصّة إلكترونية غير مكتملة عبر الأنترنات لكن المبادرة تمّت بشكل
أقلّ ممّا نطمح إليه ويحتاج إلى مزيد من الجهود لأن التّغيير الذي نتحدّث عنه لا
يمكن اختزاله في استخدام التكنولوجيا الحديثة فحسب بل يجب أن يطلق المبادرة ويتيح
للمربّين إمكانية التجريب وتوسيع نطاق التعبير بدلا من تضييقه باعتماد برمجيّة
يمكن التّصرّف فيها. إنّ النّموذج الذي اقترحته الوزارة يحاكي النّموذج الورقي
التقليدي المقايس.
يجب أن تكون المنصة مرنة
قابلة للتصرّف فيها. كما يستوجب التّغيير إعادة النّظر في المرجعيّة القيميّة
والثّقافيّة وإرساء نظام تواصلي تفاعلي بعيدا عن الرغبة في تحوير مواقف الآخرين
وإنّما يتضمّن مشاركتهم في معارفهم. كما يجب أن يشمل التغيير عمليّة التقديم نفسها بأشكال تفاعليّة،
مثلا لقد حاولت أن أجرّب هذا الحل حين وضعت في هذا الموقف أو أعتقد أنّه جاء
بنتائج جيدة، أو ماذا يحدث لو ذلك الحلّ بخصوص تلك المشكلة وتأتي هذه الأنساق
الخطابيّة كبديلة للأشكال الخطابيّة
الأبويّة.
ولا يمكن أن يحدث ذلك إلاّ عبر جدل وإتاحة
للتلميذ والولي إمكانية الاعتراض والتّعبير عن المشاغل في وضع يؤكد الاحترام
والاعتراف المتبادل وينأى ببطاقة النّتائج عن التّوظيف الأيديولوجي والأغراض
التبريريّة والتّسويغية التي تهدف عبر الخطاب إلى "انتزاع اعتراف الكلّ
بشرعيّة الأحكام المدرسيّة وتهيئتهم لقبول التّراتبيّة الاجتماعيّة التي تترتّب
عنها".
كما يستوجب التغيير توفير حدا أدنى من العدالة الاجتماعيّة ومناخا
ديمقراطيا أصيلا للانتقال ببطاقة النّتائج المدرسيّة إلى الأغراض التكوينيّة
والتحرّريّة والتّشاركيّة على غرار بلدان شمال اوروبا السوسيو ديطمقراطيّة. وتجدر
الإشارة أنّ ما عرضناه هنا هو واحد ضمن امكانات متعدّدة متاحة.
خاتمة
انتهت نتائج تحليل بطاقة النّتائج المدرسيّة المتداولة إلى النّتائج
التّالية :
_ خلافا لما يروّج عن بطاقة النّتائج المدرسيّة من صفات العلميّة
والكونيّة والحياد، فهي في الواقع ليست منفصلة عن المجتمع وما يعتمل فيه من صراعات
المصالح. فهي مكرّسة لخدمة الطّبقة السّائدة والنّوع الذكوري.
· تؤطّر هندسة بطاقة النّتائج المدرسيّة
المتداولة مرجعيات سياسيّة وثقافيّة واجتماعيّة وفكريّة سائدة في القرن التّاسع
عشر.
· يوجد نظام قواعدي كلّي تنتظم فيه كلّ العناصر
المكوّنة لمعمار بطاقة النّتائج وهذا النّظام قائم على تصوّر إقناعي حجاجي يهدف
تبرير النّتائج والأحكام أكثر مما يفسّرها.
· لكسب ثقة المتلقّي وتأييده لجأ
المصمّمون إلى الاستثمار في إجراءات التّصديق المعمول بها في حقول معرفيّة ذات
مستوى عال في الإقناع : المنطق الصّوري والعلوم التّجريبيّة والقضاء وغيرها من
التّدابير البلاغيّة.
وهكذا أخيرا، فإنّ المصمّمين
قد استدعوا معايير العلم وبلاغة القانون والإحصاء ليس لغاية الموضوعيّة وإنّما
لتحقيق مآرب ايديولوجيّة بالتّحديد لتبرير النّظام التّوزيعي للمجتمع وتزييف الوعي
ومن هذا المنطلق يصنّف نموذج بطاقة النّتائج الذي حللناه في إطار الخطب
الأيديولوجيّة الضّارة بصورة الطالب عن ذاته ومدى فعاليتها وبالتّالي يعتبر
النموذج التقليدي غير أخلاقي ولا بدّ من إعادة النّظر فيه بمرجعيات حداثيّة تسمح
للتلاميذ والمربّين بتقديم رؤاهم دون حرج في وضع آمن يؤكد الاحترام والمساواة.
د. محمّد بسباس مستشار عام في
الإعلام والتوجيه
تونس – أكتوبر 2025
للاطلاع على النسخة الفرنسية – اضغط هنا


Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire