dimanche 15 novembre 2020

تجديد المنظومة التربوية التونسية من المدرسة الواحدة إلى المدرسة المتعددة : الجزء الثاني

 


حسين الحامدي

تواصل المدونة البيداغوجية هذا الأسبوع نشر مقالة الصديق حسين الحامدي متفقد عام خبير للتربية قدم في القسم  الأول منها  تشخيصا لوضع المدرسة التونسية قبل أن يقترح حلا للمشاكل التي تعيق قيامها بالدور المراقب منها في ضل التحولات العالمية والمحلية ومن أبرز الحلول التي اقترحها الأستاذ الحامدي دعوته لإرساء المدرسة المتعددة مكان المدرسة الواحدة التي لم تعد حسب وجهة نظره قادرة على رفع التحديات.

ويجدر التذكير بأن المقال قد سبق أن نشر بمدونة :[1] Tunisie XXI.OVER-BLOG.COMبتاريخ 18 أفريل 2018 ونظرا لقيمة المقال وطرافة الطرح المقدم  طلبنا من السيد حسين الحامدي إعادة نشره بالمدونة وقبل ذلك برحابة صدر فله منا كل التقدير والشكر على ذلك ونتمنى أن يتجدد التعاون معه .

المدونة البيداغوجية

للاطلاع على الجزء الأول اضغط هنا

 

 

 

 

     2- التغيرات في المستوى الوطني

ترتبط هذه المتغيرات بما جاءت به الثورة من تطلعات مشروعة إلى إقامة مجتمع مواطني حر يشترك الجميع في نحت ملامحه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كما يرتبط بتغيرات ديمغرافية جوهرية لها انعكاس مباشر على الشأن التربوي.

       * المتغيرات السياسية: الثورة واستحقاقاتها في ميدان التربية والتعليم

أكدت ثورة الحرية والكرامة – رغم محاولات التضليل والخداع والالتفاف التي تعرّضت لها ولا تزال- أن المطلب الجوهري للثائرين الذين قارعوا ببطولة وصمود تاريخيين منظومة الإقصاء والفساد والاستبداد وبذلوا الدماء سخية، هو الشراكة الحقيقية والتامة والعادلة في الوطن، قطعا مع عقود بل وقرون من التهميش والاعتداء والإذلال. إن ترجمة هذا المطلب في ميدان التربية والتعليم يعني ببساطة حق التونسيين جميعا ودون استثناء أو تمييز في تعليم ديمقراطي، نوعي في مدخلاته وفي مخرجاته، كما يعني أيضا الشراكة في إدارة الشأن التربوي عبر إرساء علاقة أفقية بين مختلف الأطراف الفاعلة في هذا الميدان قطعا مع العلاقة العمودية التي اعتمدت لعقود مع ما صاحبها من قرارات وإجراءات فوقية يصدرها جهاز بيروقراطي متورّم منقطع إلى حد كبير عن الواقع التربوي في البلاد.

والواضح أن هذا المنطق الجديد في التعاطي مع الشأن التربوي غائب تماما عن ذهن صانع القرار السياسي طوال السنتين الماضيتين. وإذا استثنينا تلك الندوة اليتيمة التي نظمتها وزارة التربية حول       " منهجية إصلاح المنظومة التربوية" (5) وفق نفس المنطق البيروقراطي الموروث، فإن الشأن التربوي لقي إهمالا تاما، شأنه في ذلك شأن المسألة الثقافية، وظل خارج اهتمامات النخبة التي تتسيّد المشهد السياسي بعد 14 جانفي 2011. إن هذا الواقع الخطير يطرح على المربين بالدرجة الأولى التعاطي مع مهمة النهوض بهذا القطاع الحيوي تصورا وتنفيذا وفرض منطق الشراكة بما يخدم المصلحة الوطنية العليا ويعزّز هذا المكسب الشعبي ويطهره مما علق به من شوائب كثيرة والتصدي في الوقت نفسه لدعوات مشبوهة إلى تفكيكه وضرب ما سجله من مكاسب.

        * التغيرات الديمغرافية

سجلت نسبة التزايد الطبيعي للسكان في تونس تراجعا واضحا منذ الخمسينات نتيجة للسياسة السكانية المعتمدة ونتيجة للتحسن الجلي في مستوى العيش واستقرت حاليا في حدود 1 ٪، غير أنها تتسم بتباينات جلية اجتماعية ومجالية. وإذا كانت تقلّ عن 1 ٪ في المدن الكبرى للمجال الساحلي، فإنها تتراوح إجمالا بين 1 ٪ و2٪ في بقية أنحاء البلاد وتحديدا في المناطق الداخلية. ويترتب عن هذا التغير في المعطى الديمغرافي أمران أساسيان:

-  تجاوز الجانب الكمي في التمدرس عامة حيث تتعدى النسبة العامة للتمدرس 99٪ مع تباينات طفيفة بين المدينة والريف وبين المناطق الساحلية والمناطق الداخلية وبين الجنسين.

-  ارتقاء الجوانب النوعية في التعليم والتعلم عامة إلى درجة الأولوية المطلقة والمقصود في هذا الباب تحديدا شروط التعلم النوعي في مدخلاته وفي مخرجاته: الفضاءات والموارد البشرية والمناهج والوسائل والتنظيمات التربوية والحياة المدرسية عامة من جهة والنتائج المدرسية من جهة ثانية. 

     3- واقع المؤسسة التربوية التونسية: مفارقات لا حصر لها

* التراجع الجلي للدور الطلائعي الذي اضطلعت به المؤسسة التربوية ولا تزال - رغم كل المتغيرات-  في الارتقاء بالوطن ثقافة وتنمية وعلاقات اجتماعية. فالمؤسسة التربوية العمومية – في واقع بلادنا- ما تزال رغم كل شيء بمثابة القاطرة التي تجرّ الوطن نحو مزيد من الحداثة والتنوير والرقي الاجتماعي والمادي، غير أن هذا الدور مهدد إذا لم يتم تدارك مواطن الضعف في هذه المنظومة.  فلئن استمدت هذه المنظومة مكانتها في فترة ما بعد 1956 حتى ثمانينات القرن الماضي من كونها المصدر الوحيد للمعرفة والسبيل الأوحد للتنوير الفكري والرقي المادي والاجتماعي، فإنها أصبحت اليوم تواجه منافسة حادة ومتنامية من قبل مصادر أخرى للمعرفة غزت البيوت والعقول كما تعطّل دورها كمصعد اجتماعي خاصة بالنسبة للشرائح الفقيرة والمهمشة وهو ما أضعف جاذبيتها وقلّص في مصداقيتها. وتمثل استعادة الدور التاريخي للمؤسسة التربوية وتأكيد أهميتها في مسيرة بلادنا عبر منحها جاذبية متجددة وتعزيز مصداقيتها رهانا حقيقيا لا بد منه في كل جهد تجديدي يستهدف النهوض بهذه المنظومة.     

* درجة التعقيد التي بلغتها المنظومة التربوية الوطنية كما وكيفا بعد خمسين سنة عن نشأتها. ومن أبرز تجليات هذا التعقيد تغير في الأولويات الكبرى: فبعد كسب رهان " الكم" بدليل نسبة التمدرس العالية أصبحت المنظومة التربوية التونسية مطالبة بكسب رهان الجودة والنجاعة بما يقتضيه هذا الرهان من تعلّم نوعي في محتوياته وفي طرائقه وفي تنظيماته. إنّ شعارات الجودة والحرفية والمردودية والنجاعة التي يرفعها القائمون على المنظومة التربوية اليوم تظل بلا معنى في ظل غياب تصور متكامل لهذه المنظومة في مضامينها وهياكلها وآليات اشتغالها. ولا يمكن كسب رهان "الكيف" فقط عبر تطوير البرامج التعليمية والكتب المدرسية والمقاربات البيداغوجية ونظم التقييم والإشهاد...، بل إن كسب هذا الرهان يمرّ قبل كل شيء عبر تطوير الإطار الأوسع لهذه المحاور وهو المنظومة التربوية بما هي تعلمات وتنظيمات وتصرّف وتسيير وتجهيزات وحياة مدرسية.

التغير المستمر في ملامح المتعلمين وتنوعها

 وتشمل هذه الملامح الظروف النفسية – الاجتماعية، الانتظارات والطموحات، القدرات والاستعدادات وذلك في علاقة وثيقة بتطور الواقع الاقتصادي والاجتماعي ... ولئن كان هذا العامل واحدا من أسباب الإصلاح التربوي لسنة 2002 فأن أثره اقتصر على نظام التوجيه المدرسي وعلى البرامج التعليمية والمقاربات البيداغوجية بشكل رئيسي، أما في ميدان الحياة المدرسية فقد تم الاكتفاء بإصدار "الأمر المنظم للحياة المدرسية" سنة 2004 (6) وهو نص تأكد مع الزمن قصوره عن القيام بأعباء الحياة المدرسية تصورا وتنظيما وتنفيذا ومتابعة رغم ما يحمل من إيجابيات. والثابت أنه لم يعد من الممكن – في الوقت الحاضر- أن تضبط الحياة المدرسية في مفهومها ومضامينها وآلياتها... بطريقة نمطية تقفز على هذه المتغيرات والفوارق الموضوعية وهو ما يدفع إلى الاعتقاد بأن حياة مدرسية مجدية وناجعة تفترض دورا أكبر للمتعلمين في ضبط ملامحها العامة على الأقل. إن المفارقة القائمة بين تنوع ملامح المتعلمين والتغير المستمر لهذه الملامح من جهة، وبين التصور النمطي والشكلي للحياة المدرسية - بما يحولها إلى مجرد روتين إداري- في بعض جوانبها من جهة ثانية هو الذي يفسر ضعف الاهتمام بالنشاط الثقافي والاجتماعي والرياضي في المؤسسات التربوية في مستوى التصور والتنظيم والاستمرارية وضعف انخراط المتعلمين في ظل احتداد منافسة وسائط العصر للمدرسة إجمالا، كما يفسر الاشتغال "الشكلي" للآليات التي أقرها الأمر المنظم للحياة المدرسية : مجلس المؤسسة والمجلس البيداغوجي للمدرسين وإلا فكيف نفسر- مرة أخرى- تفاقم بعض الظواهر السلبية في العملية التربوية ؟

 * مردودية لا ترتقي إلى التضحيات التي تبذلها المجموعة الوطنية

تتجلى هذه المفارقة في ما بين الجهد الوطني المبذول في قطاع التربية والتعليم من جهة وبين نوعية "المنتج التربوي" من جهة ثانية من بون كبير. ذلك أن هذا المنتج التربوي - في مستوى نوعيته - ما يزال دون حجم التضحيات الكبيرة التي تبذلها المجموعة الوطنية: فتملك اللغات وتوظيفها دون المؤمل، وتمثّل العلوم والتكنولوجيات والإبداع فيها محدود ... تشهد على ذلك نتائج التقييمات الدولية التي تشارك فيها بلادنا (7). والواقع أن هذه المفارقة تستبطن هدرا للموارد والطاقات لا يمكن احتماله بالنظر إلى محدودية هذه الموارد. والأخطر من هذه المفارقة هو تفسيرها من قبل البعض إذ يلقى اللوم بكل بساطة على المتعلّم وعلى وليّه كاتهام الأوّل بالكسل والإهمال واتهام الثاني باللامبالاة... ولا يشار تماما إلى مسؤولية المؤسسة بالمعنى الشامل، أما إذا ما تمت الإشارة إلى هذه المسؤولية فإن ذلك يتم بطريقة تجزيئية فيكون العيب مثلا في البرامج التعليمية أو في المقاربات البيداغوجية أو في نظم التقييم.... وبذلك تظل المعالجات جزئية لا شاملة وسطحية بدل أن تكون عميقة. إن التطوير الشامل للمنظومة التربوية هو بدون أدنى شك المدخل الضروري لمعالجة هذه المفارقة التي تخفي في ثناياها تراجع جاذبية المؤسسة التربوية ومصداقيتها.

 *  تفاقم التسيب والتلاشي التدريجي لرسالة التربية

 سجّلت المنظومة التّربوية تراكم جملة من المشاكل ظل مسكوتا عنها لردح من الزمن حتى تفاقمت وارتقت إلى درجة المعضلة: تمدّد ظاهرة التغيب عن العمل، وتفشّي ظاهرة اللاّمبالاة في صفوف مختلف أصناف العاملين في المؤسسة التّربويّة... وضعف الحماس للعمل التربوي والتلاشي التدريجي   " لرسالة المربي والتربية"، غيابات المتعلمين بدون أسباب وجيهة وضعف دافعية التعلم لديهم ...،تفاقم ظاهرة الغش في الامتحانات بمختلف أصنافها، تفاقم ظاهرة العنف اللفظي والمادي في الوسط المدرسي (8)، تدهور العلاقات داخل المؤسّسة التربوية بين مختلف الأطراف وغلبة " العرف" و "المجاملات "  و " الاعتبارات الذاتية" على منظومة العلاقات بدل الاحتكام إلى القانون والتراتيب الإدارية . إن هذا الواقع يحتم فعلا أكثر من أي وقت مضى معالجة شاملة وفعالة للمسألة بكل جوانبها بما يسهم في إيقاف هذا التيار الذي يتمادى من سنة إلى أخرى ويلحق ضررا حقيقيا ونوعيا بالمنظومة التربوية.   

إن هذه المفارقات وغيرها مما لم نذكره في هذه الورقة، تتناسل كلها من مفارقة جوهرية: مدرسة واحدة في واقع تربوي "متعدّد".

* مدرسة واحدة في واقع تربوي متعدّد ومتنوّع

لئن كان هاجس التعليم الموحّد حاضرا في ذهن المشرّع التربوي منذ 1958 ردّا على التعليم "المتعدّد" الموروث عن الحقبة الاستعمارية ( تعليم فرنسي، تعليم زيتوني، تعليم عصري مختلط) وما يمثله من خطر يهدد بتلاشي الشخصية الوطنية و وحدة النسيج الاجتماعي التي انبنت عبر قرون من العيش المشترك، فإن هذا الهاجس – على واقعيته- أفضى إلى إنكار ما يسم محيط التعلم من تنوّع وتعدّد وفتح على مفارقة تحولت مع الزمن إلى أحد عوامل الوهن في المنظومة التربوية الوطنية، تعززها سياسات غلب عليها الاجحاف في حق المناطق الداخلية للبلاد التونسية سواء في إقامة المؤسسات التربوية أو في تجهيزها أو في توفير ما يلزمها من موارد بشرية.

لقد تمّ التعاطي مع الواقع التربوي الذي يتسم في أبعاده المختلفة بالتنوع والتعدد، بتعلّمات وتنظيمات موحّدة لا تراعي هذا التعدد والتنوّع، تشهد على ذلك المركزية المفرطة في اتخاذ القرارات التربوية وفي التسيير عامة، كما تشهد على ذلك وحدة المناهج ونظم التقييم.

ومن مظاهر هذا التعدد، التنوّع الجلي في بيئة التعلم: بيئة حضرية/ بيئة ريفية، بيئة ساحلية/ بيئة داخلية، بيئة صناعية / بيئة فلاحية...فضلا عن التباينات المناخية بين شمال البلاد وجنوبها وشرقها وغربها وعن تباين عراقة الفعل التربوي بين مختلف أنحاء البلاد وتباين قدرة الاسر التونسية على القيام بأعباء التربية بسبب تفاوت الامكانيات المادية و تباين في ملامح المتعلمين وفي انتظاراتهم ...وقد لازم هذا التعدد والتنوع في بيئة التعلم تباين حقيقي في البنية التحتية التربوية: المؤسسات، التجهيزات، النقل والموارد البشرية الموظفة في العملية التربوية. ومع ذلك فإن هذا الواقع التربوي المتعدد يدار بجهاز قانوني وتنظيمات وآليات موحّدة.

إن هذه المفارقة تفسر إلى حد كبير تفاوت الحظوظ بين المتعلمين وبين جهات البلاد وضعف القدرة على تحقيق الانصاف بينهم ولسنا في حاجة إلى التدليل على هذا الأمر، فالإخفاق والانقطاع المدرسيّان والتباين   الشديد في نتائج الامتحانات الوطنية ( البكالوريا) بين الولايات تؤكد، كلّها، هذه الحقيقة.                             

II - في قيم المدرسة في تونس الجديدة 

     1- مدرسة تقدّس العلم وتحترم القائمين عليه

 لا مناص من أن تستردّ المدرسة التونسية الدور الذي لعبته طيلة العقود الماضية في اتجاهات متلازمة:

-  المحافظة على الهوية في أبعادها المختلفة: التونسية والعربية الاسلامية وتجذير الناشئة فيها بعيدا عن الاستلاب في وجهيه " الماضوي " و " الحداثوي".

- مواصلة الاضطلاع بالدور التنويري والتحديثي الذي منحها – والقائمين عليها- منزلة مرموقة في تحديث المجتمع وتعصير الدولة وحتى تظل بوّابة التونسيين إلى العصر.

- استعادة دورها كمصعد اجتماعي خاصة بالنسبة للشرائح الفقيرة والمهمشة من المجتمع التونسي وذلك من خلال إعادة النظر في العلاقة بين التعلمات والطرائق ونظم التقييم من جهة وبين حاجة الوطن إلى موارد بشرية عالية الجودة يكون لها دور في النهوض بالوطن اقتصادا وثقافة وتربية....

إن استعادة هذا الدور يمرّ حتما عبر ردّ الاعتبار للتربية والتعليم والقائمين عليهما في البلاد. وواحد  من الشروط الأساسية لردّ الاعتبار هو التحسين الجاد والحقيقي للحالة المادية للمربين بمختلف أصنافهم بما ينهي بعض الظواهر المؤذية للعملية التربوية والمرفوضة مهنيا وأخلاقيا والتي اتسع مداها في العشريات الأخيرة وشكلت الملاذ الوحيد أمام شريحة من المربين لمواجهة التدهور المستمر لمقدرتهم الشرائية في الوقت الذي ازداد فيه غلاء المعيشة. إن العوامل التي دفعت المشرّع إلى العناية بسلك القضاء- في مستوى التأجير- للنأي به عن كل ما قد يتسبب في تلاشي رسالته، يجب أن تكون هي نفسها في معالجة الوضعية المادية للمربين. وإذا كان تحقيق العدالة محمولا على جهاز القضاء باعتبار“ العدل أساس العمران"، فإن بناء مواطن المستقبل محمول على المربين، ومهمة المربين في بناء الوطن لا تقل خطورة عن الدور الذي يضطلع به سلك القضاء عامة في إرساء وإشاعة قيم الحق والعدل.

أما الآليات الكفيلة بتحقيق هذه الأهداف فهي متنوّعة:

-         ومنها ما هو مادي مباشر ويتمثل في تحسين الوضع المادي للمربين وفق مبادئ وأسس تراعي مصالح المربين من جهة وحق المتعلمين في تعليم ناجع وحق المجموعة الوطنية في منتج تربوي عالي الجودة يستجيب لحاجات الوطن إلى موارد بشرية نوعية من جهة ثانية.

-         ومنها ما يتعلق بالبنية التحتية التربوية عامة: التجهيزات والفضاءات.....

-         ومنها ما يتعلّق بالتنظيم والتسيير وذلك بإرساء شراكة حقيقية بين مختلف المتدخلين في الشأن التربوي مثل انتخاب هياكل التسيير الإداري والمجالس المختصة التي يجب أن تتمتع بسلطة تقريرية في تسيير المؤسسات التربوية والتصرف في مواردها مع انفتاح حقيقي على محيط التعلم.

     2- منظومة ديمقراطية

للديمقراطية في التربية أوجه متعددة:

- فالديمقراطية في هذا المقام تعني أن تضمن المنظومة التربوية حق التونسيين جميعا - دون استثناء أو إقصاء على أساس الدين أو الجنس أو اللون أو الوضع الاجتماعي أو الانتماء الجهوي- في التعليم.

- وهي تعني أيضا حق المتعلمين في مختلف أنحاء البلاد في التمتع بما يلزم من التجهيزات والموارد البشرية والتمويلات اللازمة للسير العادي للعملية التربوية دون حيف ودون تمييز.

- كما تعني حقّ المتعلمين في تعلّمات تراعي الفوارق بينهم وتأخذ بعين الاعتبار تنوّع محيط التعلّم بدل التعسف عليه، وتعتبره فرصة إضافية للنجاح التربوي بدل اعتباره مبرّرا للفشل.

- كما تعني الديمقراطية كذلك الشراكة في التسيير وفي وضع المناهج ونظم التقييم والكتب المدرسية...بما يقطع مع البيروقراطية التي طالما كبّلت المبادرة الفردية وروح الإبداع لدى الأطراف المباشرة للفعل التربوي.

- وهي تعني أخيرا اللامركزية في التسيير وفي التنظيم وفي كل ما يتعلق بالتعلّمات، أي إرساء "مدرسة متعددة" بدل نموذج المدرسة الواحدة التي أفضت إلى الأزمة الحالية.   

     3- منظومة تربوية تهيئ للحياة الاجتماعية

قامت المنظومة التربوية التونسية منذ نشأتها حتى نهاية القرن العشرين تقريبا على بعدين متلازمين:

- أوّلية المعرفة في التعلّم في إطار مقاربة بيداغوجية تقوم على التراكم.

- الربط الآلي بين التعليم والتشغيل بمعنى أنها كانت تضع تهيئة المتعلمين للحياة المهنية – وفقا لحاجات الاقتصاد الوطني- على سلّم الأولويات، بدل تهيئتهم للحياة الاجتماعية بالمعنى الشامل.

لقد أثبتت التحولات المشهودة في المستويين العالمي والوطني في الاقتصاد وفي العلاقات الاجتماعية وفي المعارف والعلوم وفي التربية والتعليم عامة أن هذين البعدين أفضيا إلى انسداد الآفاق في العملية التربوية. فمقتضيات العصر تفترض تطوير كفايات المتعلمين معارف ومهارات وسلوكات واتجاهات ومواقف وهي كفايات يمثل تملك المعرفة أحد أوجهها لا غير من جهة، كما تفترض أيضا تهيئة المتعلمين للحياة الاجتماعية بصفة عامة، والحياة المهنية هي جزء منها لا غير، من جهة ثانية.

إنّ أبرز التحديات التي تواجه المنظومة التربوية التونسية اليوم هي إنجاز هذا التحوّل من مرحلة " حشو الأدمغة" وتوفير يد عاملة وموارد بشرية مرتبطة بحاجات اقتصاد تابع ومتخارج، إلى مرحلة تملك كفايات متنوّعة تهيئ المتعلّم لحياة اجتماعية سمتها الرئيسية التغير المتسارع والمستمرّ إذ لا مجال لمنظومة تربوية ثابتة / رافضة للعصر، في واقع دائم التغير.  

     4- منظومة تحفظ الهوية الوطنية وتغذيها

لم تكن مسألة الهوية محلّ خلاف بين التونسيين، وتقديري أن هذا الخلاف الذي تسعى أطراف سياسية بعينها إلى تغذيته هو خلاف مفتعل يستهدف تغييب القضايا الجوهرية التي طرحها ويطرحها المسار الثوري المتواصل منذ 17 ديسمبر 2010: قضايا السلطة والثروة والتنمية من زاوية المواطنة الكاملة والحق في الوطن. ولا يمكن للعملية التربوية في هذا الباب بالذات أن تقفز على حقائق التاريخ وعلى مقتضيات الجغرافيا. فعروبة التونسيين وإسلامهم ليسا محلّ تنازع، والعمق التاريخي للبلاد وساكنتها منذ الحقبة "القبصية" حتى اليوم لا يمكن التغاضي عنه. أما انفتاح هذا البلد وهذا الشعب على الحضارة الانسانية والتفاعل معها تأثرا وتأثيرا فهو من مقتضيات الجغرافية المفتوحة شرقا وشمالا على البحر المتوسط، وجنوبا على القارة الافريقية. وهكذا فإن الدوائر الحاضنة للشخصية التونسية ولمصالحها هي الدوائر العربية - الاسلامية والمغاربية والمتوسطية والافريقية. ولا مجال، والحال على ما ذكرت، للانغلاق الهووي لأنه يعني تعطّل العطاء الحضاري، كما أنه لا مجال للانفتاح السافر على حساب الهوية الوطنية العربية الاسلامية لأنه يعني تلاشي إرث حضاري ضخم كدح هذا الشعب على مرّ القرون لتحقيقه. ومن المهام المحمولة على التربية والتعليم تجذير المتعلمين في هويتهم الوطنية بأبعادها المختلفة وتربيتهم على الانفتاح على الآخر والتفاعل معه كشرط لتواصل الاسهام في العطاء الحضاري العالمي. ويمثّل الغلوّ " الماضوي" ونظيره " الحداثوي" خطرين حقيقيين يهدّدان وحدة هذا الشعب وهويته التي نحتها تاريخ ثري وعميق وجغرافية مفتوحة وقرون من العيش المشترك وقدرة عالية على التكيف مع المستجدّات الوطنية والاقليمية والدولية.

انتهي الجزء 2 - يتبع للاطلاع على الجزء الأول اضغط هنا

حسين الحامدي متفقد

تونس - 2020

للاطلاع على النسخة الفرنسية - اضغط هنا.



[1] http://tunisiexxi.over-blog.com/2018/04/-0.html

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire